الثلاثاء، 7 سبتمبر 2010

مدينة طرسوس ودورها في التاريخ العربي الإسلامي (172-354 هـ -788-965 م كتاب جديد





مدينة طرسوس ودورها في التاريخ العربي الإسلامي (172-354 هـ -788-965 م كتاب جديد للدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي
عرض ومراجعة: الاستاذ زياد عبد الوهاب النعيمي
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل

 مدينة عتيقة تعبق بتراث أنساني ، معالمها تحكي عن قصص علمها ،وسماؤها تحكي عن صمودها وبطولتها ،وترابها يتذكر كل انتصاراتها و كذلك الظلم الواقع عليها حتى سقوطها .
التاريخ حين يبدأ بالكتابة عنها يقف طويلا ليتأمل عظمتها وروحها وإنسانها ، تلك هي طرسوس مسقط رأس بولس الرسول ، المعلم الذي درس اللاهوت ،وعلمه في طرسوس وكان من مضطهدي الكنيسة، لكنه اعتنق المسحية وتم تعميده في نهر بردى على أيدي حنانيا،وراح يبشر بها في دمشق وانتقل يعلم حتى سنة 67 حين انتقل إلى روما فاعتقل واعدم هناك ، ومدينة طرسوس كما يذهب بعض أصحاب الرأي أنها مدينة الفتية أصحاب الكهف، باعتبارها احد الفرضيتين في وجودهم فيها على رأي بعض العلماء ، المكان الذي عاش فيه أصحاب الكهف أولئك الفتية الذين ذكرهم الله عز وجل في سورة الكهف في الآية(18) بقوله "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً "
إنها مدينة الزهاد والعباد ومدينة الثغور ،مدينة كان لها دور عسكري واقتصادي وسياسي مشرف بسبب موقعها وجهادها ودورها المتميز الذي حظيت به من خلال تاريخ اتسم بالمواقف البطولية لأهلها ، طرسوس هذه المدينة المضمخة بعبق الحضارة والتراث، لم يتناولها إلا قلة من الباحثين العرب وحتى في تناولهم لها لم يعطوا هذه المدينة ماتستحق ، لذلك نجد أن هذه المدينة تتعطش لمن يكتب عنها وعن بطولاتها ويؤرخ لمرحلة تاريخية مهمة عاشتها ، فأثرت في التاريخ الإسلامي وتأثرت بايجابيته وتطوره ،كان لابد من وجود نهج تاريخي أكاديمي تنطلق منه هذه المدينة لتبقى شاخصة في الإبصار ناظرة للوجوه حين يكتب عنها أستاذا أو باحثا عربيا ، عن تاريخها نقف عند انجازاتها،وتاريخها الطويل،وحين تبدع سطور الباحثين في الكتابة عنها نجد أن هذا المنجز التاريخي بدا واضحا أكثر فأكثر للاستعانة به والتا كيد على أهمية طرسوس .
من هذه الأهمية وعند هذه النقطة بالتحديد كان الانجاز واضحا في تناول تاريخ هذه المدية الإسلامية لفترة تاريخية مهمة من حياتها، وهذا الانجاز العلمي والأكاديمي تحقق من خلال الكتاب الموسوم مدينة طرسوس ودورها في التاريخ العربي الإسلامي للباحثة الدكتورة سناء عبدالله عزيز الطائي التدريسية في مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل التي كتبت فأبدعت ،ووثقت فأنجزت تاريخا مهما لمدينة أسلامية اسمها طرسوس،مدينة الفكر والعلم والجهاد .
تضمن الكتاب أربعة فصول و تقديم وخاتمة إضافة إلى الملاحق.

طرسوس مدينة الثغور الشامية
أشارت الباحثة في الفصل الاول من الكتاب الى مدينة طرسوس بوصفها مدينة الثغور الشامية وذكرت أن اسم طرسوس قد تم ذكره في الكتب السماوية مثل التوراة التي ورد ذكرها فيه باسم اسبوس وذكرت في الإنجيل باسم ارسوس، وتفيد الباحثة الى أن اسم طرسوس هي من الأسماء المتداولة والأكثر شيوعا لدى جمهور المؤرخين ، و أن مدينة طرسوس تختلف عن مدينة طرطوس التي تقع في بلاد الشام وتشرف على البحر المتوسط قرب المرقب وعكا.
تقع مدينة طرسوس في قيليقيا وتبعد حوالي 12 ميلا عن البحر المتوسط وعن جبال طوروس ، وتذكر الباحثة أن مدينة طرسوس كان لها أهمية قبل الإسلام ، جدد عمارتها الإمبراطور الأشوري سنحاريب سنة 704-861 ق.م ، وفي الزمن الروماني انشىء إقليم قيليقيا فاتخذت طرسوس مقرا للحاكم أوغسطين ، وتذكر الباحثة أن المدينة ظلت تحت الحكم الروماني حتى الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام ، اما اهميتها في الزمنين الراشدي والأموي ، فتذكر الباحثةة إنها كانت خط الدفاع الأول وكان المسلمون يمرون بها عند حملاتهم الى بلاد الروم البيزنطينيين، وعندما قام معاوية بن أبي سفيان سنة 645 ميلادية بفتح عمورية وجد الحصون بين أنطاكية وطرسوس خالية من الناس لذلك قام بإبقاء نفر من أهل الشام والجزيرة وقنسرين كحامية إلى حين عودته.
وتضيف الباحثة أن طيلة حكم الخلافة الأموية كانت طرسوس من المواقع المهمة لاسيما أن المسلمين كانوا يمرون بها ، بهدف إبقاء هذا الدرب تحت إشراف قواتهم وحمايتهم .
في المبحث الثاني من الفصل الأول تحدثت الباحثة عن طرسوس مدينة الثغور الشامية وعرفت الثغور بأنها كل موضع قريب من ارض العدو ، و باتفاق البلدانيين فان الثغور تنقسم الى عدة اقسام منها الثغور الشامية والثغور الجزرية والثغور البكرية ، وتؤكد أن هذا التقسيم المعمول به إنما هو تقسيم جغرافي استحدث لإغراض عسكرية وإدارية في أن واحد ، وتشير الى أن الثغور الجزرية هي ثغور أموية اما الثغور الشامية فهي عباسية
في الفقرة اللاحقة عرفت العواصم بأنها في الخط الثاني للدفاع عن الثغور التي يعتصم بها المسلمون ، فقد نشأت لتعصم الثغور وتمدهم بوسائل القوة والمنعة ، و أن استحداثها كان لضرورة عكسرية وإدارية ،وتشير الباحثةالى أن المسلمين أدركوا أهمية العواصم والثغور عامة وطرسوس بخاصة ، و أن مدينة طرسوس في الإسلام عرفت باهميتها السوقية والعسكرية والاقتصادية لكونها تتمتع بموقع جغرافي متميز ، واستمرت في تلك الأهمية حتى سقوطها بيد الروم البيزنطينين ، فعلى مضيقها سالت الدماء وعلى وجهها سجل التاريخ إحداثه المهمة ، كما اشارت الباحثة الى الانهار القريبة من طرسوس كنهر البردان ونهر اللامس ونهر سيحان ونهر البذنون وبحيرة بغراس ، كما بينت أهم المدن والثغور المجاورة لها مثل اذنة والمصيصة .
بناء طرسوس : في المبحث الثالث من الفصل الأول أشارت الباحثة إلى بناء مدينة طرسوس حيت أكدت على أن التفكير بالبناء كان في عصر الخليفة المهدي والدليل على ذلك كما تشير الباحثة هو تجهيز المواد والميرة ألا أن عملية البناء لم تتم إلا في عهد الخليفة هارون الرشيد 170-193 هـ ) (678-809) ميلادية ، حيث كانت للرشيد الخبرة الكبيرة في دحر الروم والانتصار عليهم ، وتشير الباحثة الى أن البناء كان بالمواد المحلية وكان الحجر في مقدمة تلك المواد ، ما يعني أن المدينة بنيت لتستمر أكثر ، أما بالنسبة لتخطيط المدينة فقد أشارت إلى الأسوار التي أقيمت فيها وهي نوع من التحصينات والاستحكامات الدفاعية البشرية ولقد مدت مدينة طرسوس على سورين من الحجارة هما السور المحيط والسور المتصل ، و أن جميع ابوابها كانت تفتح في وقت السلم اما في الحرب فالضروة الحربية تستلزم فتح عدد معين منها ، و أن عدد ابواب مدينة طرسوس هي 5 ابواب، تتمتع بحصانة لكونها صنعت من مادة الحديد ، كما تضم المدينة الشوارع والسكك والأسواق والقناطر والدور والمنازل ،أما ويتمتع سكانها بدرجة عالية من الأخلاق الحميدة والنفوس السمحة فضلا عن محبتهم للغريب ، واهم سكانها هم العرب والجراجمة وهم ينتمون إلى مدينة جرجومة الواقعة على جبل اللكام ويعودون إلى أصول فارسية حيث قدموا مع سيف بن ذي يزن ، كذلك الكرج جيب من النصارى و الفرس واليونان واليهود.


الدور الجهادي الحربي لطرسوس
تشير المؤلفة في الفصل الثاني من الكتاب إلى الدور الجهادي الحربي لمدينة طرسوس ، حيث بدا العرب المسلمون في الفتوحات في منطقة الثغور الشامية في العهد الراشدي وكان ذلك بالتحديد في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب والخليفة عثمان بن عفان ، وعندما ألت الخلافة إلى بني أمية قاموا بنقل مركز الخلافة من الحجاز الى الشام ، وتذكر المؤلفة أن الثغور الشامية شهدت نصرا مهما هو فتح طرسوس بقيادة جنادة بن ابي امية وقد عد هذا تطورا مهما على صعيد تامين الثغور ، وعن الدور الجهادي لمدينة طرسوس فتذكر المؤلفة الى أن دور المدينة ظهر بعد بنائها واستقرار الناس فيها من كل اقاليم الخلافة ، و طرسوس نفرت في احوال كثيرة لنجدة اخواتها من المدن المجاورة وتحقق لهم النصر فيها ، و تشير المؤلفة الى أن طرسوس كانت قاعدة للحملات الصليبية وهي حملة الصوائف التي تكون في فصل الصيف والشواتي التي تكون في الشتاء ، و أن اغلب الحملات التي كان العرب يقومون بها هي من الصوائف ولم يقم العرب بشن الشواتي إلا في الحالات الضرورية جدا ، كما غلب عليها أن كانت حملات برية وذلك نتيجة الضعف الذي لحق بالأسطول الإسلامي .
في المبحث الثاني من الفصل الثاني أشارت الباحثة الى الدور البحري لطرسوس ، حيث كان لها دورا لا يقل أهمية عن الدور البري مما يدل على أن العرب ركبوا البحر وعرفوا فنون القتال ونشبت الكثير من المعارك الحربية منذ عهد الراشدين بالبحر، وتشير المؤلفة ألى أن طرسوس كان لها دورا في العصر العباسي في الدفاع عن سواحل مصر من غارات الفاطميين. ، وبذلك فأن أسطول طرسوس حقق انتصارا مهما واخذ على عاتقه حماية سواحل مصر،وقد توالت انتصارات الأسطول البحري في طرسوس بعد أن واجه نكبات، وبقيت طرسوس قاعدة بحرية مهمة مثلما هي قاعدة برية حتى سقطت بيد نقفور سنة 965 م-453 هجرية .

الحياة العلمية في مدينة طرسوس
تناولت الباحثة في الفصل الثالث من الكتاب الحياة العلمية في مدينة طرسوس، حيث اشارت إلى أن الموقع الجغرافي للمدينة كان له أهمية في تكوينها الحضاري والثقافي وذلك لوقوعها في نهاية الجزيرة وبلاد الشام وعلى مجمع خطوط مدن الثغور حيث كان هذا العامل كفيلا بتنوع معارفها وعلومها ،كذلك فان عامل الاستقرار السياسي من اهم العوامل التي ادت الى ازدهار الحياة العلمية فيها ، اذ استطاعت الخلافة العباسية أن تحافظ على وحدة البلاد التي كانت تابعة لها بصورة عامةفقصدها الكثير من المثقفين والقراء والمحدثين والفقهاء وطلاب العلم ولم يضعف دورها الابعد أن دب الضعف في الدول العباسية ، وفي فقرة لاحقة تشير الباحثةة الى عدد من العوامل الاقتصادية ،التي ساعدت على ازدهار الحياة الاقتصادية و العلمية في طرسوس وكذلك العوامل الدينية والزراعة والصناعة والتجارة ، اما المبحث الثاني من الفصل الثالث فتشير الباحثة فيه الى أن طرسوس كان لها مراكز علمية مثل جامع طرسوس الذي لا يقتصر على الصلاة ، بل هو مركز لدراسة العلوم الدينية وقراءة القران
ومن المراكز العلمية أيضا، الربط التي كانت في البداية مجرد حصون تقام في الجهات الأكثر تعرضا لغارات العدو ، فضلا عن الحلقات الدراسية مثل حلقة أبو بكر الأصفهاني في جامع طرسوس ، وأخيرا الكتاب والمؤذنون.
في المبحث الثالث تتناول الباحثة العلوم التي درست في طرسوس والتي اشتملت على العلوم، الدينية كالقران الكريم وعلوم الحديث ، والفقه والقضاء ، إما بالنسبة للعلوم الإنسانية فيأتي في مقدمتها اللغة العربية ، الشعر والخطبة .
ظهرت بوادر التدوين التاريخي في طرسوس مع قيام الأمصار العربية الإسلامية الأولى ، ثم تطورت في أعقاب قيام الكيانات السياسية العربية ، حيث تحمس الحكام على تعزيز مكانة دولتهم وإبراز نشاط سكانها .

سقوط مدينة طرسوس مدينة الثغور الشامية
354هـ-965 م
الفصل الرابع والأخير من الكتاب جاء ليلسط الضوء على نهاية مدينة الثغور الشامية ، وسقوطها في اشارة واضحة الى أن هناك عوامل ساعدت ودفعت الى مثل هذا السقوط ،في المبحث الاول من الفصل الرابع تناولت الباحثة اسباب السقوط، من خلال الوضع السياسي المتردي للخلافة العباسية ،من خلال تسلط العنصر الاجنبي ، ومن ثم تفكك الدولة و ظهور الامارات المحلية كالامارة الطولونية والحمدانية والهجمات المتكررة على المدينة نفسها ،وهذه العوامل ادت الى ضعف الدولة وسقوط هيبتها شيئا فشيئا .
في المبحث الثاني من الفصل الرابع تناولت الباحثة الاسباب التي يمكن أن نصفها بالمباشرة في سقوط طرسوس والعوامل التي ادت الى سقوطها ، فالموقع السوقي لها ياتي في مقدمة الاسباب ، ومن ثم الدوافع التاريخية، والدور الحربي والجهادي للمدينة ، ومن ثم التوغل الاجنبي في بلاد الشام ،وتحقيق المكاسب الثقافية والاقتصادية ، ونهوض الدولة البيزنطية .
في المبحث الثالث من الفصل الرابع تشير الباحثة الى كيفية السيطرة على طرسوس من خلال السيطرة على اذنة والمصيصة .
في المبحث الرابع من الفصل الرابع تشير الباحثة الى النتائج التي ترتبت على هذا السقوط من خلال الخذلان الذي اصاب الثغور الاخرى حيث سقطت هي الاخرى واحد تلو الاخرى ، اما النتيجةي الثانية فهي التوغل البيزنطي في الاراضي العربية والاسلامية والوصول الى امد ومحاصرتها حتى قاربوا الوصول إلى نصيبين ، وهذا ماجعل طرسوس من أهم القواعد العسكرية للدولة البيزنطية ، وهذه النتيجة رتبت تسللا منطقيا من خلال حرمان العرب من أهم القواعد البحرية في طرسوس .
انتهى الكتاب بالخاتمة ، وملاحق تحوي خرائط للمدينة محل البحث ،وقائمة مصادر ومراجع

اهمية الكتاب
الكتاب غني بالمعلومة التاريخية ، وغزير بالإحداث التي وقعت في مدينة إسلامية كان لها الدور العلمي والحربي في إرساء الدعوة والدولة الإسلامية ،وكانت محط لاهتمام المسلمين ، يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية ونادرة لمدينة مقدسة وجهادية ، وظفتها الباحثة بأسلوب رشيق وعلمي وبطريقة أكاديمية واضحة بموضوعية وحياد، دون إسهاب.
الكتاب اختزال تاريخي لفترة طويلة من تاريخ العرب والمسلمين ، وان تناول هذه المدينة لدليل على جهد متميز تندر إليه جهود كثيرة في هذا الاختصاص الواسع .
الكتاب إضافة متميزة للمكتبة العراقية والعربية والإسلامية ، وهو وثيقة تاريخية وعميقة وذات اثر
وهو جهد متميز للباحثة الدكتورة سناء عبدالله عزيز الطائي ، ولمركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل ،جهدان متميزان قدما لنا كتابا تاريخيا متميزا باحداثة ومعلوماته التاريخية.

تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م للأستاذ الدكتور طه خضر عبيد


تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م للأستاذ الدكتور طه خضر عبيد

عرض : د. سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الإقليمية _جامعة الموصل

الناشر : دار الفكر/ الأردن ، عمان 2010، الطبعة الأولى
عدد صفحات الكتاب: 295 صفحة
الدكتور طه خضر عبيد، مؤرخ، وأستاذ جامعي، وباحث، يعمل أستاذا في قسم التاريخ بكلية التربية بجامعة الموصل منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، وله دراسات وكتب منها:
• تنظيمات الجيش البيزنطي .
• دراسات في المدن العربية والإسلامية،
• العيون والجواسيس بين العباسيين والبيزنطيين
• الصراع البحري العباسي البيزنطي
• النفير العربي الإسلامي إلى جبهة الثغور البرية مع الدولة البيزنطية
ودراسات أخرى عديدة منشورة في مجلات عراقية وعربية مختلفة .
وكتابه الجديد " تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م" ، الذي أكد فيه على إن قيام الإمبراطورية البيزنطية في النصف الأول من القرن الرابع للميلاد، واستمرارها إلى النصف الثاني من القرن الخامس للميلاد، يجعلها أكثر الإمبراطوريات عمرا في التاريخ، لأنها دامت أكثر من احد عشر قرناً من الزمان ، وكما هو معروف فأن تاريخ الإمبراطورية يقع في ثلاثة مراحل هي:
المرحلة الأولى: التي تمثل العصر المبتدأ لقيام الإمبراطورية الذي تميز في عهد الإمبراطور دقلديانوس (284_305م) ويجد بداية قيام الإمبراطور قسطنطين الكبير (306_337م)، وتستمر هذه المرحلة الى بداية ظهور الإمبراطور هرقل (610_641م).
المرحلة الثانية: وتمتد من القرن السابع الميلادي إلى القرن الثاني عشر الميلادي وهي أزهى عصور الإمبراطورية البيزنطية (641_1185م) وتخللتها فترات من الضعف والفوضى لكنها كانت عابرة.
المرحلة الثالثة: والتي تبدأ من نهاية القرن الثاني عشر للميلادي (1185_1453م) حتى سقوط الإمبراطورية وعاصمتها على يد الأتراك العثمانيين.
ويؤكد الباحث إن دراسة التاريخ البيزنطي له من الأهمية التي لا تنحصر في كونها ظهرت ثم زالت، وتكمن الأهمية في أنها كانت أنموذج لإمبراطورية واسعة وقوية لها مكانتها السياسية والدينية والعسكرية ، وان سياسة الدولة الداخلية كانت ذات أهمية كبيرة في تامين عناصر قوتها والتي حددت طبيعة سياستها وعلاقتها الخارجية مع الدول المجاورة وخاصة للجوانب الاقتصادية والتعليمية والحضارية الأخرى ذات الأهمية في فهم التاريخ البيزنطي وبشكل خاص علاقات الإمبراطورية مع العرب المسلمين.
قسم الكتاب إلى اثنا عشر فصلاً، تناول الفصل الأول العصر المبكر للتاريخ البيزنطي، كما تضمن تسمية الإمبراطورية وعهد الإمبراطور دقلديانوس (284_305م) والإمبراطور قسطنطين العظيم (306_337م).
إما الفصل الثاني فقد تناول مرحلة إعادة وتوحيد الإمبراطورية الذي يبدأ بأسره جستنيان (518_610م) وأعمال الإمبراطور جستنيان وسياسته الداخلية والخارجية.
وتناول الفصل الثالث، أسرة هرقل (610_641م)، وأحوال الإمبراطورية في عهد الإمبراطور هرقل وأبنائه، وخلفاء هرقل التي امتدت (610_711م)،كما تضمن الفصل ظهور دور العرب المسلمين ونجاحاتهم في تحقيق النصر بين البيزنطيين في بلاد الشام وحصر شمال إفريقيا، وتناول مرحلة الفوضى التي مرت بها الإمبراطورية البيزنطية في (711_717م).
وعالج الفصل الرابع الأسرة الايسورية (717_820م)، وركز على علاقات الإمبراطورية مع العرب والمسلمين ومحاولات فتح القسطنطينية وتشريعات الإمبراطور ليو الثالث والموقف من الحركة الايقونية و اللا ايقونية والعلاقات مع العرب والمسلمين طيلة عهد الأسرة الايسورية.
وتناول الفصل الخامس، الأسرة العمورية (820_867م) وتضمن العلاقات الخارجية مع الدول المجاورة لثورة ما يسمى الصقليين، وفتح العرب لجزيرة كريت وجزيرة صقلية وكذلك فتح عمورية.
وجاء الفصل السادس ليتناول الأسرة المقدونية وبخاصة المرحلة الأولى في حكمها والذي يمثل مرحلة الازدهار (867_912م) وتناول الإمبراطوريين باسيل الأول وابنه ليو السادس وإعمالهم وأحوال الإمبراطورية في عهدهم. ويسمى هذا العصر بالعصر الذهبي.
وتضمن الفصل السابع المرحلة الثانية من تاريخ الأسرة المقدونية (912_1025م) والتركيز على الأباطرة الأقوياء والقادة العسكريين الذين وصلوا الى عرش الإمبراطورية .
وتناول الفصل الثامن قسمين الأول الأسرة المقدونية وقيام الحكومة المدنية (1025_1059م)، والقسم الثاني أباطرة أسرة دوقاس وعصر الاضطراب والخطر السلجوقي وينتهي سنة 1081م.
وتضمن الفصل التاسع الأسرة الكومينية من (1081_1185م) وتوضيح أهم أباطرتها وسياستهم الداخلية والخارجية وعلاقاتهم مع الدول والقوى المجاورة والتي شهدت بدايات الحملات الصليبية من الغرب إلى المشرق العربي الإسلامي .
وجاء الفصل العاشر ليعالج الإمبراطورية (1185_1354م) .وتناول الفصل الحادي عشر ظهور الأتراك العثمانيين وسقوط القسطنطينية على أيديهم سنة 1453م. أما الفصل الثاني عشر فكرس لمتابعة الجوانب الحضارية للإمبراطورية البيزنطية ووسائل الاتصال الحضاري مع العرب المسلمين، والثقافة والتعليم والتجارة البيزنطية.
ومما يزيد في قيمة الكتاب احتوائه على عدد من الخرائط والتوضيحات المهمة الفريدة وهذا يدل على الجهد الكبير الذي بذله استاذنا في إخراج الكتاب ونأمل في ان يفيد الباحثون وطلبة الدراسات العليا منه وان يأخذ موقعه في المكتبة التاريخية العربية الحديثة.
* الرجاء زيارة مدونة الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي ورابطها التالي :
http://allafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/blog-post_7067.html
مرسلة بواسطة الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي في 06:53
ص

الأحد، 5 سبتمبر 2010

موقف تركيا من البرنامج النووي الايراني


موقف تركيا من البرنامج النووي الايراني
الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل


مقدمة
ليس من شك في ان البرنامج النووي الإيراني المتنامي ، لا يزال يثير الكثير من الإشكالات ليس على الصعيد الدولي وحسب وإنما على الصعيد الإقليمي كذلك (1) . وكما هو معروف فأن الاهتمام بهذا البرنامج قد بدأ ،بعد إعلان الحكومة الإيرانية منذ أوائل أيلول 2000 نجاح كوادرها الفنية في إطلاق نوع جديد من الصواريخ ، وهي صواريخ شهاب 3 التي يصل مداها الى 1500كم (2) . ومع ان وزير الدفاع آنذاك السيد علي شمخاني قال ان الصاروخ مصمم لإطلاق الأقمار الاصطناعية ، لكن خبراء عسكريون معرفون قالوا بان الصاروخ يمكن استخدامه لأغراض عسكرية وان بمقدوره حمل رؤوس نووية (3) ... وسنحاول في هذا البحث الوقوف اولا عند أبعاد البرنامج النووي الإيراني ثم نبين موقف تركيا منه .

أولاً : أبعاد البرنامج النووي الإيراني :
تتفق معظم المصادر المتداولة على ان الحكومة الإيرانية فكرت في ان تبدأ برنامجاً نووياً منذ أواسط السبعينات في القرن الماضي ، فلقد وقعت إيران على اتفاقية للتعاون النووي مع فرنسا وبموجب هذا الاتفاق تعهدت فرنسا بالبدء بعمليات تركيز اليورانيوم . ولم تتوقف المجهودات الايرانية عند هذا الحد بل اتسعت لتشمل التوقيع على اتفاقية تعاون نووية اخرى مع شركة سيمنز الالمانية تعهدت بموجبها هذه الشركة بانشاء مفاعلين نووين بمدينة بوشهر جنوب ايران .. ويبدو ان ظروف قيام الثورة الاسلامية واسقاط نظام الشاه سنة 1979 حالت دون استكمال هذا المشروع ، اذ توقف البرنامج او كاد ولكن الحكومة الايرانية استطاعت منذ بين سنتي 1992 و 1995 مفاتحة الصين وروسيا في البدء بتطوير القدرات النووية الايرانية ، وهكذا فان ايران اصبحت منذ ذلك الوقت تمتلك عدة محطات نووية ابرزها محطة بوشهر النووية ومركز التكنولوجيا النووية في اصفهان ومركز طهران للدراسات النووية وادارة البحوث النووية بمدينة يزد . وتبرر الحكومة الايرانية اسباب اقدامها على تطوير برنامجها النووي برغبتها في تعزيز مكانتها الإقليمية والحفاظ على أمنها القومي خاصة بعد تفاقم أخبار إقدام العراق على بناء قدرات نووية فضلا عن ان إسرائيل تمتلك ترسانة نووية ضخمة (4) ..
واجه المشروع النووي الإيراني الكثير من العقبات لعل من أبرزها الموقف الأمريكي مع أن إيران ، وقعت على معاهدة انتشار الأسلحة النووية ( NPT ) منذ سنة 1968 كما ان معظم تقارير الوكالة الدولية النووية للطاقة الذرية تؤكد التزام إيران بالمعاهدة وكما هو معروف فان الولايات المتحدة حتى كتابة هذه السطور لا تزال تسعى من اجل الحيلولة دون وصول البرنامج النووي الإيراني الى أهدافه الحثيثة وتقوم الإدارة الأمريكية بين وقت وأخر بمساع دبلوماسية لإقناع أعضاء مجلس الأمن بالوقوف ضد استكمال ايران لمشروعها النووي وخاصة في مجال تخصيب اليورانيوم والوصول الى تكنولوجيا تصنيع القنابل النووية . وتتحدث الاوساط الامريكية ، وخاصة وكالة المخابرات الامريكية منذ اواسط سنة 2002 عن ان ايران تمتلك منشأتين نوويتين الاولى لتخصيب اليوارنيوم في مدينة نطنز والثانية مصنع لانتاج المياه الثيلة بالقرب من مدينة اراك وكلا المنشاتين يقعان وسط ايران .. ويؤكد الامريكان ان ايران تستطيع اكمال دورة الوقود النووية وبالتالي فهي قادرة على صنع اسلحة نووية (5) .

ثانياً : موقف تركيا من البرنامج النووي الإيراني :
يثير البرنامج النووي الايراني ردود فعل ومواقف عربية واقليمية ودولية متباينة ، والذي يهمنا هنا هو معرفة الموقف التركي من هذا البرنامج ، ومما يؤسف له اننا لا نمتلك الكثير من المعلومات عن هذا الموقف ، خاصة وان تركيا ،ومنذ حدوث التغييرات في الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية، بدات تسعى من اجل اقامة مفاعل نووي في خليج اكويو جنوب تركيا ، وهو من ضمن عشرة مفاعلات نووية تنوي بناءها بحلول سنة 2020 .. وقد اشارت جريدة الحياة التي تصدر في لندن بعددها الصادر في 11 من ايار / مايو سنة 1998 الى ان منظمة السلام الاخضر تتحرك منذ ثماني سنوات لمنع تركيا من اقامة ذلك المفاعل وقد نشرت المنظمة تقريراً تضمن احتمالات الخطر من بناء هذا المفاعل على الدول المحيطة بتركيا .. وقد نشرت جريدة تركش ديلي نيوز (6) ( Turkish Daily News ) مقالا قالت فيه كاتبته فيولا اوزيركان Fulya Ozerkan ان وزير البنية التحتية الاسرائيلية بن اليعاز حذر من ان اتفاقاً بشأن الطاقة بين تركيا وايران سيعمل على تشجيع ايران في الاقدام على تطوير برنامجها النووي .. وقد انتقد الوزير الاسرائيلي وبشدة اتفاقاً للتعاون التركي _ الايراني حول الغاز الطبيعي قائلاً : (( ان احراز التقدم في مثل هذه المشاريع يعمل على تشجيع طهران المتهمة من قبل الغرب بالسعي لامتلاك السلاح النووي !! ))
واضاف الوزير الاسرائيلي يقول : (( ان ايران باتت تشكل خطراً على الاستقرار في الشرق الاوسط بل هي خطر على العالم كله ، هذا فضلا عن كونها تشكل تهديداً للاستقرار في العالم الاسلامي )) (7) ..
كما ان الولايات المتحدة انتقدت الخطوة التركية اتجاه التوقيع على اتفاق التعاون التركي _ الايراني الذي جرى في العام الماضي ( 2007 ) وقالت ان الخطوة التركية جاءت في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن الى فرض عقوبات اشد ضد ايران بسبب برنامجها النووي .. وقد ردت الحكومة التركية على ذلك قائلة انها تهدف من خلال علاقاتها الودية مع دول المنظمة والمجتمع الدولي الى اشاعة اسلوب دبلوماسي مكثف سوف يساعد ، بدون شك ، على نزع فتيل التوتر النووي .. وقال احد المسؤولين الاتراك المعنيين بالبرنامج النووي الايراني : (( اننا على استعداد لدفع الثمن مقابل السلام )) وقد علق الوزير الاسرائيلي بن اليعازر على ذلك بقوله ان تركيا ، كما يبدو ، تريد ان تنهمك في الدفع بجهود ترمي الى تخفيف الضجة المتنامية بخصوص نشاطات طهران النووية (

خلاصة :
ليس من شك في أن ايران مصرة على إكمال برنامجها النووي بالرغم من اعتراضات الولايات المتحدة الامريكية ، وترى في ذلك وسيلة من وسائل تاكيد مكانتها الاقليمية، وفي اطر سيادتها القومية .. وفيما يتعلق بتركيا، فمع انها تدعو الى اقامة منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط الا انها تسعى من اجل ابعاد البرنامج النووي الايراني عن طبيعته العسكرية وتحاول تشجيع ايران على الاستفادة من هذا البرنامج لاغراض سلمية لان البرنامج النووي الايراني اذا ما كان ذا طبيعة سلمية فعلى الارجح ، كما يقول الدكتور رياض الراوي (9) . ان لايكون له تاثير على هذه المنطقة ، بل على العكس من ذلك ، فربما يشكل في هذه الحالة ، لاسيما اذا كان الهدف من هذا البرنامج هو حقاً لتوليد الطاقة الكهربائية ، على وفق وجهة النظر الايرانية ، عاملا يفضي ، ربما ، الى بناء نوع من علاقات التعاون بين دول المنطقة عندما يصدر الفائض في هذه الطاقة الى الدول المجاورة ، التي تعاني نقصاً منها ، او عن طريق الاشتراك بمنظومة ربط للطاقة الكهربائية مع دول من منطقة الشرق الاوسط . هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فان عدم وضوح الصورة الحقيقية للبرنامج النووي الايراني، وعدم اكتماله في جوانبه الفنية ، فضلا عن استمرار الشكوك حول اهدافه يجعل من أي اثار يمكن ان يخلفها امراً مستقبلياً غير محدد الملامح ، مما يبقي الاحتمالات مفتوحة على نهايتها ، بالرغم من ان هذه الاحتمالات ستكون مرتبطة بالمتغيرات الايرانية الداخلية والمتغيرات التي يمكن ان تحصل في بيئة ايران الخارجية ، اقليمياً ودولياً .
ان اسرائيل، التي ترتبط مع تركيا في تحالف استراتيجي، لا تزال ترى ان تركيا يمكن ان تعلب دورا كابحاً للتهديدات الايرانية ، وقد اكدت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية في 28 مايو / ايار 2006 ذلك، عندما ناقشت في مستهل زيارتها لانقرة البرنامج النووي الايراني .. ولم يخف الاتراك حقيقة انهم لايمكن ان يكونوا في موقف منعزل عن موقف دول الاتحاد الاوربي ، خاصة وانهم يسعون من اجل الانضمام الى هذا الاتحاد منذ زمن بعيد وكما يقول احد المراقبين فان الموقف التركي سيكون ، على الارجح ، منسجماً ومتناغماً مع موقف الاتحاد الأوربي من امتلاك ايران للسلاح النووي ، ويحرص الأتراك على الابتعاد عن أي تعارض او تقاطع عن أي قرارات قد يتخذها الأوربيون حيال هذا البرنامج ، مثل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية من خلال مجلس الامن على تركيا ، وكما ان تركيا ، مقارنة بموقفها من الحرب على العراق في ربيع عام 2003 ، قد لا تبني او تعدم رد الفعل الامريكي ، لاسيما اذا ما قررت الولايات المتحدة استخدام القوة ضد ايران ، الا ربما في حالة حصول تحالف عسكري دولي تشترك في صنعه دول الاتحاد الاوربي او تعدم قيماه ويحظى بالشرعية الدولية .. ولعى الارجح فان تركيا كذلك سوف لن تبدي أية تسهيلات أو دعم لعمل عسكري ربما تقوم به اسرائيل ضد المنشأت النووية الايرانية او مرتكزات البنى التحتية الايرانية ، تجنباً لردود الفعل الشعبية التركية والراي العام العربي والاسلامي .. وربما من المهم أن تنظر تركيا الى السلاح النووي الايراني بوصفه نوعاً من التهديد لأمنها القومي، ولذلك فانها سوف تؤازر الدعوات التي تهدف الى جعل منطقة الشرق برمتها منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل.

الخميس، 1 يوليو 2010

في انقرة :ندوة حول العلاقات المستقبلية بين العراق وتركيا





في انقرة :ندوة حول العلاقات المستقبلية بين العراق وتركيا

محمد أيدن: علاقة تركيا بالعرب ينبغي أن تكون نعمة لأوروبا، فالمنطقة كلها بحاجة إلى الأمن والاستقرار والديمقراطية.

ميدل ايست اونلاين 1-7-2010
متابعة: د. إبراهيم خليل العلاف

انعقدت ـ وعبر أربع جلسات علمية ـ ندوة علمية حول العلاقات العراقية –التركية. وكان للملحقية الثقافية العراقية بالتعاون مع مركز أتاتورك للدراسات والأبحاث، ومركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية (اورسام)، دور كبير في تنظيم هذه الندوة والتي تعد الأولى من حيث المبادرة والتنظيم، والعلمية بعد الانفتاح الواسع للسياسة التركية تجاه الدول العربية والقضايا العربية.

وقد افتتح الندوة ـ التي انعقدت في قاعة المجمع العلمي التركي ـ السيد محمد أيدن وزير الدولة بكلمة مهمة تطرق فيها إلى الثوابت التركية في التعامل مع المنطقة والقائمة على مبدأ أتاتورك القائل: "السلام في الوطن .. السلام في الخارج". وأشار إلى تطور العلاقات مع الدول العربية في السنوات الأخيرة وقال إن تقرير مصير منطقتنا بأيدي أبنائها وعلينا أن نربط ماضينا بحاضرنا وبمستقبلنا بروابط وثيقة.

وأضاف أن الذين لا يعرفون تاريخهم لا يمكن ان يبنوا مستقبلهم، ولا يمكن أن يكون لهم دور فاعل في تقرير مصيرهم.

وختم كلمته بالقول إن علاقة تركيا بالعرب ينبغي أن تكون نعمة لأوروبا، إذ إن المنطقة كلها بحاجة إلى الأمن والاستقرار والديمقراطية.

ومما قاله إن بغداد قرة عين المنطقة واستانبول لا يمكن أن تكون بخير إذا لم تكن بغداد بخير وهكذا.

ثم تحدث الدكتور محمد الحمداني المستشار الثقافي العراقي، فأكد أهمية توسيع العلاقات بين العراق وتركيا.

وممن تحدث في الجلسة الافتتاحية الدكتور جزمي ارسلان مدير مركز أتاتورك للدراسات والأبحاث، والدكتور حسن جانبولات مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية.

وبعد ذلك ألقى الدكتور عماد الدين خليل الأستاذ المتمرس في جامعة الموصل محاضرة افتتاحية استعرض فيها الصلات بين العرب والأتراك وتطرق إلى دور الأتراك في الحضارة العربية والإسلامية.

ألقيت في الندوة بحوث عديدة لباحثين عراقيين وأتراك وجرت مناقشات مستفيضة لما يمكن أن تكون عليه العلاقات في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية.

وممن تحدثوا في الندوة مديرو مركز أتاتورك للدراسات والبحوث، ومركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية في أنقرة، ومركز الدراسات الإقليمية بجامعة الموصل، فضلا عن الدكتور عدنان السراج المدير العام للدائرة الإدارية والقانونية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، وباحثين من الجامعات والمؤسسات البحثية التركية والعراقية والمركز العراقي للدراسات الإستراتيجية في عمان بالأردن.

وترأس الجلسات أساتذة معروفون باهتماماتهم بالشأن العراقي والتركي منهم الدكتور دريد عبدالقادر نوري معاون المستشار الثقافي العراقي، والدكتور كاظم قرة بكر رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب – جامعة غازي.

وخرجت الندوة بتوصيات عديدة أبرزها التأكيد على استمرارية التعاون بين مراكز البحوث العراقية والتركية، وعقد الندوة القادمة في كل من بغداد والموصل، وتبادل الزيارات بين الطلبة والأساتذة ونشر البحوث المشتركة في مجلات المراكز البحثية، واستقبال الطلبة من الجامعات العراقية لتعلم اللغة التركية والطلبة الأتراك في الجامعات العراقية لتعلم اللغة العربية، والنظر في إمكانية نشر البحوث في مجلات المراكز البحثية العراقية والتركية باللغات العربية والتركية والإنكليزية.

*الصورة الاولى الدكتور ابراهيم خليل العلاف وزوجته الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي
**الصورة الثانية الدكتور ابراهيم يتسلم الشهادة التكريمية
***الصورة الثالثة الدكتور ابراهيم مع الاستاذ الدكتور محمد الحمداني المستشار الثقافي العراقي في انقرة
****الصورة الرابعة من اليمين الاستاذ حبيب هرمزاوغلو الباحث في مركز ((اورسام ))والدكتور سعد عبد العزيز المسلط مقرر قسم التاريخ -كلية تربية جامعة الموصل والدكتور ذنون يونس الطائي مدير مركز دراسات الموصل والاستاذ الدكتور محمود علي الداؤود السفير العراقي الاسبق في تركيا والاستاذ المتمرس في جامعة بغداد حاليا والجميع اخذوا الصورة اثناء حضورهم ندوة العلاقات العراقية -التركية 9-10 حزيران 2010 في انقرة .

الأربعاء، 26 مايو 2010

تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م للأستاذ الدكتور طه خضر عبيد


تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م للأستاذ الدكتور طه خضر عبيد
عرض : د. سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الإقليمية _جامعة الموصل
الناشر : دار الفكر/ الأردن ، عمان 2010، الطبعة الأولى
عدد صفحات الكتاب: 295 صفحة
الدكتور طه خضر عبيد، مؤرخ، وأستاذ جامعي، وباحث، يعمل أستاذا في قسم التاريخ بكلية التربية بجامعة الموصل منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، وله دراسات وكتب منها:
• تنظيمات الجيش البيزنطي .
• دراسات في المدن العربية والإسلامية،
• العيون والجواسيس بين العباسيين والبيزنطيين
• الصراع البحري العباسي البيزنطي
• النفير العربي الإسلامي إلى جبهة الثغور البرية مع الدولة البيزنطية
ودراسات أخرى عديدة منشورة في مجلات عراقية وعربية مختلفة .
وكتابه الجديد " تاريخ الدولة البيزنطية 324_1453م" ، الذي أكد فيه على إن قيام الإمبراطورية البيزنطية في النصف الأول من القرن الرابع للميلاد، واستمرارها إلى النصف الثاني من القرن الخامس للميلاد، يجعلها أكثر الإمبراطوريات عمرا في التاريخ، لأنها دامت أكثر من احد عشر قرناً من الزمان ، وكما هو معروف فأن تاريخ الإمبراطورية يقع في ثلاثة مراحل هي:
المرحلة الأولى: التي تمثل العصر المبتدأ لقيام الإمبراطورية الذي تميز في عهد الإمبراطور دقلديانوس (284_305م) ويجد بداية قيام الإمبراطور قسطنطين الكبير (306_337م)، وتستمر هذه المرحلة الى بداية ظهور الإمبراطور هرقل (610_641م).
المرحلة الثانية: وتمتد من القرن السابع الميلادي إلى القرن الثاني عشر الميلادي وهي أزهى عصور الإمبراطورية البيزنطية (641_1185م) وتخللتها فترات من الضعف والفوضى لكنها كانت عابرة.
المرحلة الثالثة: والتي تبدأ من نهاية القرن الثاني عشر للميلادي (1185_1453م) حتى سقوط الإمبراطورية وعاصمتها على يد الأتراك العثمانيين.
ويؤكد الباحث إن دراسة التاريخ البيزنطي له من الأهمية التي لا تنحصر في كونها ظهرت ثم زالت، وتكمن الأهمية في أنها كانت أنموذج لإمبراطورية واسعة وقوية لها مكانتها السياسية والدينية والعسكرية ، وان سياسة الدولة الداخلية كانت ذات أهمية كبيرة في تامين عناصر قوتها والتي حددت طبيعة سياستها وعلاقتها الخارجية مع الدول المجاورة وخاصة للجوانب الاقتصادية والتعليمية والحضارية الأخرى ذات الأهمية في فهم التاريخ البيزنطي وبشكل خاص علاقات الإمبراطورية مع العرب المسلمين.
قسم الكتاب إلى اثنا عشر فصلاً، تناول الفصل الأول العصر المبكر للتاريخ البيزنطي، كما تضمن تسمية الإمبراطورية وعهد الإمبراطور دقلديانوس (284_305م) والإمبراطور قسطنطين العظيم (306_337م).
إما الفصل الثاني فقد تناول مرحلة إعادة وتوحيد الإمبراطورية الذي يبدأ بأسره جستنيان (518_610م) وأعمال الإمبراطور جستنيان وسياسته الداخلية والخارجية.
وتناول الفصل الثالث، أسرة هرقل (610_641م)، وأحوال الإمبراطورية في عهد الإمبراطور هرقل وأبنائه، وخلفاء هرقل التي امتدت (610_711م)،كما تضمن الفصل ظهور دور العرب المسلمين ونجاحاتهم في تحقيق النصر بين البيزنطيين في بلاد الشام وحصر شمال إفريقيا، وتناول مرحلة الفوضى التي مرت بها الإمبراطورية البيزنطية في (711_717م).
وعالج الفصل الرابع الأسرة الايسورية (717_820م)، وركز على علاقات الإمبراطورية مع العرب والمسلمين ومحاولات فتح القسطنطينية وتشريعات الإمبراطور ليو الثالث والموقف من الحركة الايقونية و اللا ايقونية والعلاقات مع العرب والمسلمين طيلة عهد الأسرة الايسورية.
وتناول الفصل الخامس، الأسرة العمورية (820_867م) وتضمن العلاقات الخارجية مع الدول المجاورة لثورة ما يسمى الصقليين، وفتح العرب لجزيرة كريت وجزيرة صقلية وكذلك فتح عمورية.
وجاء الفصل السادس ليتناول الأسرة المقدونية وبخاصة المرحلة الأولى في حكمها والذي يمثل مرحلة الازدهار (867_912م) وتناول الإمبراطوريين باسيل الأول وابنه ليو السادس وإعمالهم وأحوال الإمبراطورية في عهدهم. ويسمى هذا العصر بالعصر الذهبي.
وتضمن الفصل السابع المرحلة الثانية من تاريخ الأسرة المقدونية (912_1025م) والتركيز على الأباطرة الأقوياء والقادة العسكريين الذين وصلوا الى عرش الإمبراطورية .
وتناول الفصل الثامن قسمين الأول الأسرة المقدونية وقيام الحكومة المدنية (1025_1059م)، والقسم الثاني أباطرة أسرة دوقاس وعصر الاضطراب والخطر السلجوقي وينتهي سنة 1081م.
وتضمن الفصل التاسع الأسرة الكومينية من (1081_1185م) وتوضيح أهم أباطرتها وسياستهم الداخلية والخارجية وعلاقاتهم مع الدول والقوى المجاورة والتي شهدت بدايات الحملات الصليبية من الغرب إلى المشرق العربي الإسلامي .
وجاء الفصل العاشر ليعالج الإمبراطورية (1185_1354م) .وتناول الفصل الحادي عشر ظهور الأتراك العثمانيين وسقوط القسطنطينية على أيديهم سنة 1453م. أما الفصل الثاني عشر فكرس لمتابعة الجوانب الحضارية للإمبراطورية البيزنطية ووسائل الاتصال الحضاري مع العرب المسلمين، والثقافة والتعليم والتجارة البيزنطية.
ومما يزيد في قيمة الكتاب احتوائه على عدد من الخرائط والتوضيحات المهمة الفريدة وهذا يدل على الجهد الكبير الذي بذله استاذنا في إخراج الكتاب ونأمل في ان يفيد الباحثون وطلبة الدراسات العليا منه وان يأخذ موقعه في المكتبة التاريخية العربية الحديثة.
*الرجاء زيارة مدونة الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي ورابطها التالي :
http://www.blogger.com/post-create.g?blogID=1480377016782264191

الثلاثاء، 16 فبراير 2010

مقاهي نجيب محفوظ!!


مقاهي نجيب محفوظ!!

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الإقليمية_جامعة الموصل

لعل أبرز ما ميز حياة نجيب محفوظ الأديب والروائي العربي الكبير ، والحائز على جائزة نوبل للآداب، هذا الارتباط الوثيق بالمقهى ، فلقد قضى حياته وقرابة 70 عاما يرتاد مقاه متعددة، وتحدث عن هذه المقاهي في بعض أحاديثه الصحفية ،مؤكدا أهميتها في حياته، وتكوينه، وإنتاجه القصصي والروائي والثقافي عموما.
ولعل الأستاذ احمد عباس صالح الكاتب المصري المعروف من أبرز الذين كتبوا عن دور مقاهي القاهرة في حياة مصر السياسية والثقافية وخاصة إبان سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي .. كتب يقول : كان المقهى في حياة جيلي من المصريين أساسيا ، ولم يكن مكانا للتسلية أو للقاء مع الصحاب من الأدباء والمفكرين الجدد فحسب ،وإنما كان بمثابة منتدى ومكانا للتجمع ، وقد يكون من المناسب الإشارة إلى أن ما ينطبق على مقاهي القاهرة، ينطبق على مقاه أخرى في مدن عربية عريقة مثل دمشق وبغداد والموصل وبيروت. وفي القاهرة تعددت المقاهي فكان هناك مثلما في بغداد بين مقهى ومقهى مقهى ، وكان في بعضها شئ من التخصص فهناك مقهى للسياسيين ومقهى للحرفيين، ومقهى للكتاب والمفكرين. ومن هذه المقاهي :مقهى متاتيا، ومقهى ريش، ومقهى الفيشاوي، ومقاه أخرى ارتبطت بحياة المثقفين المصريين وفي مقدمتهم نجيب محفوظ.. جمال الدين الأفغاني كان مثلا يجلس في مقهى ريش.. ويروي نجيب محفوظ لصديقه محمد سلماوي علاقته بمقهى الفيشاوي قائلا :ً(( كان جلوسي في مقهى الفيشاوي يوحى لي بالتفكير)). المؤرخ التونسي الأستاذ الدكتور الحبيب الجنحاني كتب مقالة في مجلة العربي (الكويتية)، تشرين الثاني 2008 بعنوان: ((نجيب محفوظ نموذج الالتحام بين كاتب ومدينة)) قال فيه أن التحام نجيب محفوظ بمدينته يعد من ابرز ميزاته مبدعا ،وإنسانا، الأديب التونسي والكاتب رشيد الذوادي كان يحضر مجلس نجيب محفوظ في كازينو قصر النيل يقول أن نجيب محفوظ كان رجلاً متواضعا يتحلق حوله عدد من الأدباء الشبان للإفادة من تجاربه وملاحظاته وقد اصدر الذوادي كتابا بعنوان : (( مقاهي نجيب محفوظ في مرفأ الذاكرة)) تناول فيه علاقة نجيب محفوظ بالأدب العربي وموقفه من التجربة الناصرية .. وأنا شخصيا كاتب هذه السطور رأيت نجيب محفوظ في شباط 1990 عند زيارتي للقاهرة وهو في طريقه إلى مقهى كروبي واقفا أمام (بسطة )كتب مكتبة مدبولي في شارع سليمان يتأمل الجديد من الإصدارات ببدلته (السفاري ) ذات اللون العسلي . ومن الطريف أن نجيب محفوظ خلد المقاهي التي كان يجلس فيها في قصصه ورواياته لكنه ظل يعد مقهى الفيشاوي من ابرز المقاهي التي كان يحبها، فهي- بدون شك -معلم بارز من معالم حي الحسين الذي كان له اثر بعيد المدى في حياته وفي نصوصه الإبداعية.

الاثنين، 1 فبراير 2010

مغزى نفي صفة الارهاب عن حزب العمال الكردستاني التركي !!


مغزى نفي صفة الارهاب عن حزب العمال الكردستاني التركي !!
دة .سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل




ظهر حزب العمال الكردستاني،(بارتيا كاركه راني كوردستان ) المعروف في الادبيات السياسية PKK(وهي اختصار لتعبير Partiya Karderin Kurdistan في بداية السبعينات من القرن الماضي، كتيار ايدولوجي، متأثرا بالافكار والنشاطات ذات الطابع الماركسي ، واتخذ التيار انذاك من الجامعات والمنتديات منبرا له .
ومنذ عام 1974، تنامت حركته ،ووصل قادته الى نتيجة مؤادها أن حل القضية الكردية يتوقف على مدى تطبيق المباديء الماركسية . ويعد عام 1980 البداية الحقيقية للنشاط السياسي والعسكري للحزب ، خاصة بعد تطويره لنظامه الداخلي، ونجاحه في استقطاب عدد كبير من العمال والمثقفين والفلاحين ونشر افكاره بينهم .
ونتيجة لتصاعد المواجهة بين ألنظام التركي وحزب العمال الكردستاني، اتخذ الحزب قرارا بالانسحاب الى خارج تركيا والعمل هناك تحت ستراتيجية محددة سميت في حينه بـ (الانفتاح على الخارج) ، وعد هذا القرار انسحابا اضطراريا على اساس المقاومة والثورة خاصة بعد ان تأكدت قيادة الحزب انذاك عدم امكانية الاستمرار في نشاطه داخل تركيا ، لذلك بدأ بتسريب كوادره الى بعض بلدان الشرق الاوسط كسوريا ولبنان والعراق وايران ، فضلا عن دول اوربية اخرى من اجل ممارسة نشاطهم هناك في ظل اوضاع اكثر أمنا .
وفي عام 1982 قام الحزب بدعوة اعضاءه ، وقياداته للعودة الى مناطق الولايات ذات الاكثرية الكردية في تركيا ، ليباشر من هناك عملية بناء تنظيم عسكري أطلق عليه ( وحدة تحرير كردستان) ، وقد بدأ التنظيم منذئذ بممارسة ما يعرف ب (حرب العصابات) ضد المنشآت والمؤسسات الحكومية ، ومقرات الجيش والمليشيات الكردية التي قامت السلطات التركية بتشكيلها ، واعلن الحزب منذ عام 1984 الكفاح المسلح ، وهذا لايعني ان الحزب لم يمارس الكفاح المسلح منذ نهاية السبعينات ،فالحزب يؤمن بحرب ( الغوريلا GORILLA) أي حرب العصابات ، وكان يتجنب الحرب الجبهوية ، وربما يعود ذلك الى ملائمة هذا الاسلوب لمقاتليه ، فضلا عن طبيعة المنطقة الجغرافية ، وبالفعل أصبح لحزب العمال الكردستاني عام 1990 جيشا متكاملا من ( رجال العصابات) الحقيقيين .
ولو بحثنا الاسباب الى دعت الحزب الى اتباع نهج الكفاح المسلح ، لوجدنا أن عدم تلق الحركة التأييد والاسناد الشعبي الكافي لها داخل حدود تركيا كان من الاسباب الرئيسية ، حيث كان للاجراءات القاسية التي اتبعتها الحكومة التركية ليس فقط مع قوات حزب العمال الكردستاني ، بل تعدى ذلك الى سكان القرى والمدن التركية . فضلا عن مراقبة نشاطات الكرد السياسية المعارضة لها داخل تركيا وخارجها ، مما جعلها تسلك اسلوبا جديدا قائما على الاغارة على القرى والمدن الامنة ، وما رافق ذلك من وقوع العديد من الضحايا الابرياء من الترك والكورد انفسهم ، مما اساء الى سمعة الحركة ومن ثم أدى الى حدوث ردود افعال شديدة حيالها .
وثمة حقيقة لابد من التأكيد عليها، وهي ان حزب العمال الكردستاني يختلف بطبيعته، وتنظيمه، واسلوبه في العمل السياسي التنظيمي والمسلح عن الاحزاب الاخرى والتنظيمات السياسية الكردستانية الاخرى ، فهو يعد نفسه الممثل الحقيقي للاكراد ، ويرى أن حركته حركة تحررية عصرية قومية مستقلة ويتضح هذا من معرفتنا لانشطته الكثيرة التي لاحصر لها ومنها على سبيل المثال تنفيذ مقاتليه (51) عملية اقتحام وهجوم واغتيال ضد عناصر من الجيش والبوليس التركي والاكراد الموالين للسلطة ومن يعرفون بحماة القرى وضمن المدة الواقعة بين 15 آب 1989 و 15 آب 1990 .
أما جدول عملياته في المدة من (15 آب 1990 ـ 15 آب 1991 ) فقد وقعت خلالها اكثر من (586) مصادمة ومعركة بين ما يسمى بـ (قوات تحرير كردستان) والجيش التركي ونفذت اكثر من (77) عملية كمين و(24) عملية تخريب و (184) عملية هجوم وزرع (53) لغما على الطرقات المستخدمة من قبل الجيش التركي ، وقتل نتيجة هذه العمليات (204) عنصرا من عناصر الوحدات الخاصة (الكومندوس) والبوليس و (161) ضابط وضابط صف و (1779) جندي و(164) من حماة القرى و (91) من رجال الامن والمتعاونين معه فضلا عن قائمقام وحاكم وسجانين وثمانية موظفين ، وتناقلت وكالات الانباء العالمية ان عدد الذين قتلوا نتيجة المواجهات للمواجهات المسلحة بين حزب العمال الكردستاني والسلطات التركية قد بلغ حتى آذار 1993 (8000) شخص تقريبا .
مما تقدم يتضح أن اهم ما يميز النهج العسكري لحزب العمال الكردستاني ، انه لم يوجه سلاحه ضد المدنيين ولم يتبنى الى حد الان أي عملية استهدفت المدنيين بعكس الجيش التركي الذي اشيع في حينه انه استهدف المدنيين الكورد وقد ذكر في وكالات الانباء ان حزب العمال الكردستاني استهدف، ومنذ البداية، الجيش التركي،حتى انه لم ينقل حربه الى الداخل التركي ، وانما ظل يحارب من جبال كردستان تركيا ، بل أن( عبد الله اوج ئلان) زعيم الحزب ، صرح اكثر من مرة لبعض الصحف ومراسلي وكالات الانباء انه يشجب ويدين الارهاب بكل اصنافه واشكاله، وانه يفضل ويقبل بالحل السلمي لكل المشاكل بدلا من العنف والقتال بين الكورد واخوانهم الترك ، وانه على استعداد لوقف العمليات المسلحة والتخلي عن العنف وبمنحه الفرصة للحوار الاخوي .
الا ان صفة الارهاب ظلت مرتبطة باسم حزب العمال الكردستاني وظلت الحكومة التركية تلصق هذه الصفة بنشاطات الحزب ، وكان اطلاق هذه الصفة هو السلاح الرسمي الاكبر بيد الحكومة التركية ضد الحزب ، ولقد استخدمته بذكاء ولفترة طويلة جدا ، وكانت اساليب عمل الحزب تتيح لها ذلك وتعطي الدولة التركية فرصة اطلاق اسم الارهاب عليه ، حيث استغلت الدولة بعض مشاهد قسوة انصار حزب العمال ضد النساء والاطفال وبعض القرويين الكورد والمتعاونين مع السلطات التركيةفي بعض مراحل النضال المسلح للتنديد بالحزب وتصويره أمام العالم بانه ارهابي .
وقد يكون من المناسب الاشارة الى ان كمال بورقاي وهو محام واديب ، وأمين عام الحزب الاشتراكي الكردستاني الف كتابا تحت عنوان :(حزب العمال الكردستاني ثورية ام ارهابية) ، هاجم فيه الحزب ووصفه بانه حزب متطرف وارهابي ، كما وقعت خمسة احزاب كردية بيانا مشتركا تحت عنوان: ( ماهية حزب العمال الكردستاني) ، ومما جاء فيه : ((ان احزابنا ومنظماتنا ترى ان سياسة (الابوجيلر) وضيق منطقتهم وافقهم لاعلاقة له بالوطنية والثورة وان عملياتهم تخدم البرجوازية الاستعمارية والدكتاتورية وتلحق الضرر بنضال شعب كردستان)) وقد ذهب الحزب الاسلامي الكردستاني الى حد القول بأن حزب العمال الكردستاني يتلقى الدعم من اسرائيل .
لقد وصف السيد هوشيار زيباري وزير خارجية العراق الحالي في احد تصريحاته ، تكتيكات حزب العمال بانها ارهابية وان الحزب الديموقراطي الكردستاني العراقي لن يسمح لهم بمواصلة العمل من داخل أراضي كردستان العراق ، ويبدو ان الحزب قد انتبه الى هذه الحالة ، واثناء مراجعته الذاتية لسياسته حاول تغير تلك الصورة ، واطلق اوج ئالان من سجنه الانفرادي اوائل عام 2007 دعوة سلمية الى السلطات الحكومية التركية للحوار مع الكورد ونظم مئات الاف من الكوادر بناء على ذلك مسيرات ومظاهرات وتجمعات سلمية ضخمة تحت شعار ( السلام /السلام / السلام للكورد والترك / الديموقراطية الحقيقية ) ونظم عدد كبير من مثقفي العالم مع كورد تركيا مؤتمرا للسلام في انقرة في شباط الماضي تلا فيه الروائي التركي المعروف (يشار كمال) بيان المؤتمر الذي اكد شعار ( الديموقراطية الحقيقية اولا) ومن ثم صار ذلك شعارا رئيسيا للحركة الجماهيرية ، وعلى الرغم من ذلك كله ظلت الحكومة التركية متمسكة بنظرتها وموقفها ازاء نشاط حزب العمال واصفة اياه بالارهاب .
وبعد احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 ، غير حزب العمال الكردستاني اسمه رسميا الى ( مؤتمر الديموقراطية الكردستانية) وذلك كمحاولة للهروب من تصفيته كمنظمة ارهابية ، كما ققام بتشكيل جماعات أصغر تابعة له على امل الا يجري استهدافها من جانب الحكومتين التركية والاميركية .
الذي نريد ان نقوله في هذا الرصد العلمي ان محكمة العدل الاوربية اصدرت عام 2002 قرارا ادرج بمقتضاه الاتحاد الاوربي حزب العمال الكردستاني على لائحة المنظمات الارهابية وكان تسلسله في اللائحة (25) للتنظيمات الارهابية .
الا ان المحكمة في الاتحاد الاوربي الغت في اليوم العاشر من نيسان 2008 قرارها السابق بادراج حزب العمال الكردستاني على قائمة الجماعات التي يجب ان تجمد اموالها من اطار ما يسمى الحرب على الارهاب ، الا ان رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب اردوغان ، قلل من اهمية قرار محكمة العدل الاوربية شطب حزب العمال الكردستاني من القائمة السوداء للمنظمات الارهابية ، مؤكدا ان الموقف الاوربي بشأن الحزب لم يتغير وقال اردوغان ان : ((مسؤولين في مجلس الاتحاد الاوربي والمفوضية التابعة للاتحاد قد ادلو بتصريحات بهذا الشأن اكدوا فيها ان اسم الحزب لن يرفع من القائمة السوداء )) ، مضيفا ان قرار المحكمة الاوربية لايمس جوهر المسالة ،وهو ان الحزب منظمة ارهابية .واوضح اردوغان ان قرار القضاء الاوربي يمثل بيانا حول تصحيح الخطأ الاجرائي الذي ارتكبه الاتحاد الاوربي عند ادراج اسم حزب العمال الكردستاني ضمن القائمة للمنظمات الارهابية.كما وان تركيا اعلنت وعلى لسان وزير العدل محمد علي شاهين: ((ان من شأن هذا القرار اضعاف الجهود الدولية لمحاربة ما يسمى بالارهاب)) ، الا ان مسؤولا بالاتحاد الاوربي اشار الى ان القرار لن يكون له اثر عملي ، وذلك لان نسخة جديدة من القائمة وضعت في ديسمبر ، كانون الاول ، 2007 وتتضمن حزب العمال الكردستاني ،وتأخذ في الحسبان وجهات النظر في قضايا مماثلة في الماضي ، واكد ان حزب العمال الكردستاني لايزال على رأس القائمة للجماعات الارهابية التي تتألف من (48) منظمة وجماعة ارهابية مسلحة متهمة بما يسمى بالارهاب تلك الكلمة الاكثر اثارة للجدل فالى حد الان لايوجد تعريف محدد لهذه الكلمة حيث استخدمت مرارا وتكرارا من قبل طرفي الصراع وكل طرف يتهم الاخر بالارهاب .
ومهما يكن من أمر، فان ثمة تحركات اوربية وغير اوربية تستهدف اعادة النظر في صفة اتهام حزب العمال الكردستاني التركي بصفة الارهاب اعتقادا منها بانه لايعدو ان يكون حركة تحررية وطنية ، وهذا يتطلب من الحزب ان يتواءم مع الواقع الدولي الجديد ، وان يقتصر نشاطه على الاراضي التركية،وان يغادر الاراضي العراقية ولايثير المشاكل لسكان هذه المنطقة الامنة ، ويحاول ان يدخل مع السلطات التركية الرسمية في حوار وتفاهمات سياسية تعود على الطرفين بالفائدة لكن هذا لايمكن ان يكون الا بعد تحوله الى منظمة سياسية تتبنى النضال السلمي للمشاركة في السلطة ، فهل ينجح الحزب في هذا المسعى وما هو رد فعل الحكومة التركية اذا ما تم التحول المقصود .. لننتظر ونرى .

حزب العدالة والتنمية في تركيا والمسألةالكردية


حزب العدالة والتنمية في تركيا والمسألةالكردية
د. سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الإقليمية / جامعة الموصل
مقدمة:
تأسس حزب العدالة والتنمية (التركي) رسميا في الرابع عشر من شهر آب-أغسطس سنة 2001،وقد أعلن ذلك (رجب طيب اردوغان) رئيس بلدية استانبول الأسبق، والعضو في حزب الفضيلة المنحل(1). وقد أثبتت الانتخابات البرلمانية التركية لعامي 2002 و2007 ،انه لا منافس قويا لحزب العدالة والتنمية .كما وان سياساته باتت تلقى قبولا من غالبية الشعب التركي ومنه بالطبع الأكراد أنفسهم ،خاصة بعد الإعلان عن توجهاته الاقتصادية الليبرالية المتماشية مع اقتصاد السوق، ودعمه لقطاع الخدمات، ووعوده بحل القضية الكردية(2) . وقد جرت الانتخابات داخل الحزب لاختيار الأمين العام للحزب بعد الإعلان عن تأسيسه، ونجح اردوغان في أن يكون أول أمين عام للحزب.كما نجح في تولي رئاسة الوزراء، وأصبح زميله عبد الله غل رئيسا للجمهورية وفاز بولند ارنيتش برئاسة المجلس الوطني الكبير (البرلمان ) وبذلك أطبق الحزب على الرئاسات الثلاث في تركيا (3). وسنحاول في هذا البحث أن نقف عند سياسته تجاه إحدى المسائل المزمنة التي تشغل الأتراك في السنوات ال70 الماضية وهي المسألة الكردية، ولنبين أولا الأسس الرئيسة لتوجهات حزب العدالة والتنمية .
أولا: توجهات حزب العدالة والتنمية:
اتضح من خلال التصريحات التي أدلى بها اردوغان، بأن الحزب الجديد يركز على أربعة نقاط هي على التوالي(4):
1. أن الحزب سيبذل جهوداً مكثفة لتلبية احتياجات الناس الثلاثة التي تتلخص بالعدالة والحرية وضمان لقمة العيش.
2. العمل على مجابهة المفهوم الخاطئ بان العلمانية ضد الدين.
3. تأكيد أهمية الحريات والحقوق الأساسية في عملية إنهاض تركيا وحل مشكلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
عد اردوغان، تأسيس حزب العدالة والتنمية نقطة تحول في تاريخ تركيا، وأكد أن الشفافية والديمقراطية ستسودان الحزب، منتقداً هيمنة القلة في الأحزاب التركية الأخرى ورفض أن يصنف حزبه ب(الإسلامي) وقال انه حزب محافظ، وأوضح أحد قادة الحزب وهو يشار ياكيش، وقد عمل سفيرا لبلاده في القاهرة والرياض ،بان الحزب الجديد سيلبي تطلعات الشعب التركي الذي يبحث عن حلول جديدة(5).
جرت الانتخابات التشريعية في تركيا يوم 3 من/تشرين الثاني/ نوفمبر/ سنة 2002 أي قبل ثمانية عشر شهرا من موعدها الأصلي، وحصل حزب العدالة والتنمية على 34,29% من إجمالي أصوات الناخبين اللذين وصل عددهم إلى (30) مليوناً أي أن (10) ملايين ناخب صوتوا للحزب ،ومعنى هذا أن عدد مقاعد الحزب بالبرلمان وصلت إلى (363) مقعدا من اصل (550) مقعدا، وبذلك أصبح الحزب قادرا على تشكيل الحكومة بمفرده(6).
وفي 18 تشرين الثاني 2002 شكل عبد الله غل الوزارة. وسارع زعيم الحزب رجب طيب اردوغان عشية فوز حزبه إلى إعادة تصنيف حزبه فعده " حزبا محافظا وديمقراطيا وليس حزبا أصوليا إسلاميا" (7). ويعتقد اللواء أركان حرب صلاح الدين سليم محمد، وهو باحث استراتيجي مصري، في مقالته الموسومة:" تركيا : أجندة ساخنة وتبدلات في السياستين الداخلية والخارجية(8)، أن حزب العدالة والتنمية سعى لإحداث تعديل جوهري في قيم وتوجهات المجتمع التركي. كما توقع مراقبون آخرون بان الحزب سيعمل على وقف تدهور الأوضاع للطبقات الفقيرة .
ثانيا: موقف حزب العدالة والتنمية من القضية الكردية
الذي يهمنا من هذا كله، ما هو موقف حزب العدالة والتنمية من المسألة الكردية،فكما هو معروف ، ينتشر الأكراد في جميع المدن والمحافظات التركية وخاصة في شرق الأناضول وجنوبي شرق تركيا، ولا يقل عددهم عن ثمانية أو تسعة ملايين نسمة وهم يشكلون مابين 10% _11% من مجموع السكان الذي يقترب من (80) مليوناً.(9)وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى برنامج الحكومة الذي قدمه رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان يوم 18 آذار-مارس 2003 واستحضر فيه جهود مصطفى كمال أتاتورك في بناء الدولة التركية الحديثة ومن ذلك أن البرنامج تضمن عدة توجهات في مجال الإصلاح السياسي الداخلي، فالبرنامج رفض ما اسماه بـ(سياسة الاقتصاد والمشاريع القائمة على التفريق بين أبناء الشعب أو المذهب)(10).
كما أكد على ضرورة تحديث الحياة السياسة من خلال تعزيز قيم الديمقراطية ودولة القانون. وفي إطار ذلك وضعت حكومة حزب العدالة والتنمية أهدافا عديدة في إدارة دفة الحكم كان من أبرزها تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ويقينا أن الحزب وضع المسألة الكردية ، نصب عينيه، وهو يسطر الخطوط العريضة لسياسته الداخلية. كما اخذ بنظر الاعتبار ما سمي بـ(الرزمة السادسة) المتعلقة بـ(معايير كوبنهاكن) وتهدف هذه المعايير إلى التوفيق بين بنية تركيا السياسية وبنية دول الاتحاد الأوربي وذلك بتاريخ 26 حزيران 2003 والتي نصت فيها عليه "تحسين مستوى حياة الأكراد وتوسيع سقف الحريات لهم ، والسماح لهم بتعلم لغتهم وفتح بعض المدارس الكردية، وتخصيص نصف ساعة للبرامج الكردية في التلفزيون التركي trt وإطلاق سراح البرلمانية الكردية ليلى زانا وثلاثة من زملائها"(11). ومن أجل وضع هذا موضع التنمية اختار الرئيس التركي الجديد عبد الله غل أربعة مدن كردية كمحطات في أول جولة داخلية يقوم بها منذ انتخابه رئيسا للبلاد في الثامن والعشرين من آب/ أغسطس 2007خلفا للرئيس الأسبق أحمد نجدت سيزر. وقد زار غل في جولته التي دامت أربعة أيام كل من ولايات (وان) و(سيرت)و(شرناخ) و(ديار بكر) التي تعد معتقلا لحزب المجتمع الديمقراطي المهتم بكونه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني . وقد قسم الرئيس التركي وقته (بالتساوي ) بين لقاء قادة الجيش الميدانيين في تلك المناطق ، والذين يخوضون الحرب ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي، ولقاء أنصار ومؤيدي حزب العدالة والتنمية. ومع أن عدد من المراقبين قالوا أن الزيارة تحمل أغراضا انتخابيا، وهي السعي لمقابلة الأكراد في عقر دارهم وطمأنتهم، بان الرئاسة ستولى السكان الأكراد في جنوب شرق البلاد أهمية خاصة ، وبشكل خاص فيما يتعلق بتنمية مناطقهم ،وتوفير فرص العمل وتقديم مزيد من الخدمات إليهم"، إلا أن الزيارة كانت ناجحة علما بان الرئيس غل لم يأت في خطبه التي ألقاها على ذكر "القضية الكردية"، ولم يقدم وعودا بحلها مثلما فعل اردوغان خلال زيارة له لمدينة ديار بكر منتصف شهر آب 2005، بل ركز على إطلاق وعود تتمحور حول تحسين مستوى المعيشة، وخلق فرص تنمية وعمل في المناطق التي تعد الأكثر تخلفا وفقرا في تركيا، مكررا بين الحين والآخر بأنه" رئيس الجميع في تركيا". كذلك بدا الرئيس التركي، أكثر تصلبا في حديثة عن حزب العمال الكردستاني((والعمليات الإرهابية التي يقوم بها في المنطقة)).. وقال بان الدولة ((لن تتساهل مع الانفصاليين أو كل من يثبت تقديمه الدعم لها))، وبكلمه أخرى، لم تخرج مواقف غل عن سياسات حزبه السابقة المعروفة تجاه القضية الكردية(13).
يقول الأستاذ طارق حمو في دراسة له بعنوان :" حزب العدالة والتنمية يريد حل المسألة الكردية"، أن سياسة حزب العدالة والتنمية في مناطق كردستان الشمالية تبتعد عن الخوض في الجانب السياسي، وإنما تركز على مسائل التنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات ومنح القروض للناس. وقد نجح الحزب في هذا المجال كثيراً، فالبلديات التي يسيطر عليها في ولايات إقليم كردستان الشمالي، بدت أكثر تنظيما وتقديما للخدمات، كما بدا الناس أكثر ارتباطاً مع أسلوب الحزب الحاكم في الإدارات المحلية، لذلك حصد حزب العدالة والتنمية أكثر من نصف الأصوات في كردستان وتفوق على حزب المجتمع الديمقراطي الكردي في مناطق كانت تعد سابقا من معاقل هذا الحزب الأخير. وكما هو معروف فان حزب العدالة والتنمية يهيمن اليوم على اغلب البلديات، ومنها بلدية ديار بكر في الانتخابات البلدية القادمة في 2009(14).
قال اردوغان أكثر من مرة، أن حزب العدالة والتنمية يروم السيطرة على ديار بكر، وضمان استمرارية تأييدها له. وقد واجه هذا التصريح رد فعل عنيف من عثمان بايدمير رئيس بلدية ديار بكر ،واحد قادة حزب المجتمع الديمقراطي والذي قال" أن الأكراد مستعدون لخوض مواجهة عنيفة من اجل الاحتفاظ بإدارة المدينة ". ويبدو أن (بايدمير) شعر بضعف حزبه وعدم قدرته على المواجهة، خاصة وان أنصار حزب العدالة والتنمية يزيدون من ضغوطهم على حزب المجتمع الديمقراطي ويقيمون الدعاوى بحقهم أمام المحاكم التركية بتهمة دعم حزب العمال الكردستاني والتلفظ باللغة الكردية في المناسبات العامة. ومن أساليب حزب العدالة والتنمية في عرقلة نجاح ضمه حزب المجتمع الديمقراطي، وإقامة البنوك المحلية وتسليفها القروض الميسرة للمواطنين الأكراد، وتقوية (حماة القرى)، وهم أفراد من العشائر الكردية المتعاونة مع الدولة في الحرب ضد المقاتلين الأكراد، ودعم الطرق الصوفية النقشبندية في المناطق الكردية.(15)
ثالثا:حزب العمال الكردستاني ورؤيته لمواقف حزب العدالة والتنمية
انتقد حزب العمال الكردستاني سياسة حزب العدالة والتنمية في كردستان، وعلى لسان جميل باييك، أحد قادته التاريخيين عندما قال بان " حزب العدالة والتنمية يحاول ضرب الأكراد بالتعاون مع الجيش، لتمرير أجندته، واستكمال سيطرته على الدولة.. وأشار كذلك إلى "حالة العزلة المشددة التي تفرضها الحكومة على الزعيم الكردي عبد الله أوج ألان المحتجز منذ سنة 1999 في جزيرة ايمرلي النائية وسط بحر مرمرة، وارتفاع وتيرة العمليات العسكرية ضد مقاتلي الحزب وأضاف :"بان تركيا حشدت أكثر من ربع مليون جندي لضرب قوات حزب العمال الكردستاني، وان اكبر العمليات العسكرية ضد المقاتلين الأكراد شنت في عهد حزب العدالة والتنمية، وبتحريض واضح منه"، كما قال أن :" سياسة ضرب كوادر حزب المجتمع الديمقراطي وإقامة الدعاوى ضدهم، وكذلك تجويع الجمعيات الخيرية الإسلامية" وحذر من ما اسماه "رد فعل كردي عنيف على سياسة الابادة المواطنين الأكراد، ومن ثم شراء أصواتهم عن طريق منح القروض وإنشاء البنوك ، هذه التي استهدفت وجود وحقوق الشعب الكردي في البلاد"(16).
كما انتقد امتناع حزب العدالة والتنمية لإدخال أي عبارة تشير إلى الشعب الكردي أو قضيته في مسودة الدستور الجديد الذي يعد الآن وهو الأمر الذي قال حزب العمال الكردستاني بأنه "يدل على إصرار هذا الحزب على إنكار حقوق الأكراد في البلاد والمضي قدماً في قمعهم".(17)
خاتمة وملاحظات :
ليس من شك في أن حزب العدالة والتنمية، وبعد سيطرته على المناصب الرئاسية الثلاثة الكبرى في تركيا وهي الدولة والحكومة والبرلمان، بات يركز على قضايا أخرى منها قضية عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي،وترسيخ الدور الإقليمي لها والتطلع باتجاه الأسواق العربية والانغمار في قضية الصراع العربي_ الإسرائيلي من خلال الوساطة بين سوريا وإسرائيل وإيجاد موطئ قدم (سياسية واقتصادية) في العراق والخليج العربي(18).
ويرى المراقبون أن ذلك كله سيكون على حساب القضايا الداخلية ومنها المسألة الكردية، وخاصة أن كل جهود حزب العدالة والتنمية منصبة اليوم على إظهار مبدأ "الإخوة الإسلامية" التي تجمع الأتراك والأكراد، وان على الأكراد الابتعاد عن حزب العمال الكردستاني لمبادئه الانفصالية التي تستهدف بنية الدولة التركية وأسسها الراسخة، ويعمل حزب العدالة والتنمية على إشعار المواطنين الأكراد بان حل قضيتهم لا يكون بالأسلوب العسكري، وان من الضروري عدم الانصياع لخطط الجيش في شن عمليات عسكرية واسعة تطال ألاماكن التي يتواجد فيها حزب العمال الكردستاني داخل تركيا وضمن الأراضي العراقية، وهذا مما يزيد من شعبية الحزب في المناطق الكردية، خاصة وانه يعمل باستمرار على إتباع سياسة واضحة في مجال تقديم الخدمات، وتأمين فرص العمل للفقراء وتقديم القروض الميسرة، وهذا ما يحملنا على القول بان حزب العدالة والتنمية غير مستعد في الوقت الحاضر ، على الأقل ، لتقديم برنامج شامل وواضح لحل القضية الكردية في تركيا حلا جذريا يقوم على أسس سلمية وديمقراطية .وقد تكشف الأيام مستقبلا أن الحزب قد يخطو خطوات عملية باتجاه الحل عندما يشعر بان الاتحاد الأوربي مستعد لقبول تركيا ضمن عضويته ، والى أن يأتي ذلك اليوم فان العلاقة بين حزب العمال الكردستاني والأحزاب الأخرى من جهة وحكومة حزب العدالة والتنمية لا تزال متوترة .وفي السياق نفسه الذي كانت عليه هذه العلاقات خلال سنوات حكم الأحزاب التركية ومنذ 1923 وحتى يومنا هذا(19). ومما يؤكد رأينا أن الباحث التركي المعروف أمير تاسبينار مدير برنامج تركيا في معهد بروكنغز وأستاذ دراسات الأمن القومي في كلية الحرب القومية الاميركية في دراسة أصدرها فرع معهد كارنيغي في الشرق الأوسط، ومقره بيروت أن سياسة حزب العدالة والتنمية انفكت من أسار (الهم الكردي) وتوسعت إلى قضايا أخرى لكن من دون التقليل من أهمية مركزية ذلك (الهم) في تكوين وتوجيه السياسة الخارجية(20) .ويتطرق تاسبينار إلى وجود نظرة مختلفة عند حزب العدالة والتنمية ((إزاء القضية الكردية تتجاوز الصرامة الكمالية القومية،وتحاول إدخال مكون التوافق مع الأكراد ضمن هوية تركية إسلامية فضفاضة وليس هوية تركية متشددة ))(21) .ويشير تاسبينار إلى بعض المواقف التي اتخذها حزب العدالة والتنمية تجاه الأكراد ،وبخاصة في الأناضول، وابتعدت معظمها عن التصلب القومي الذي كانت السياسة الكمالية وممثليها تتسم به ،ولم يعد خطر المطامح القومية الكردية في جنوب شرقي تركيا هو من أولويات اهتمامات حكومة حزب العدالة والتنمية وإنما بدأت تركيا تزج بنفسها في قضايا الشرق الأوسط ومنها القضية الفلسطينية والتوسط بين سوريا وإسرائيل وما قد يترتب على ذلك من ترتيبات وتوافقات مع دول الجوار وبخاصة العراق وإيران وسوريا(22) .وفي سياق آخر مشابه لهذا السياق، يقول الباحث خالد الحروب : أن حزب العدالة والتنمية حقق مالم تحققه الأحزاب العلمانية طوال عقود، فلقد عمل على إنجاز سلسلة من الشروط التي وضعها الاتحاد الأوربي لدخول تركيا في منظومته وأهمها تحسين أوضاع حقوق الإنسان والاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد كمجموعة قومية .ويذهب الباحث( بافي رامان) إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية أخذت تفكر لأكثر من مرة، في مسألة إرضاء المؤسسة العسكرية في قراراتها بملاحقة المتمردين الأكراد من أنصار حزب العمال الكردستاني التركي داخل الأراضي العراقية، فاردوغان وقادة الحزب يعلمون جيدا، أن أي عمل عسكري في الأراضي العراقية هو بمثابة نكث للوعود التي أطلقها الحزب على مرأى ومسمع الناخبين الأكراد في ديار بكر وباقي المحافظات ذات الأكثرية الكردية من أن الحزب سيسعى في حال توليه السلطة تسوية القضية الكردية ((بمزيد من الديموقراطية ))(23). وتذكر الدكتورة نوال عبد الجبار سلطان الطائي(24) أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان اعترف بوجود مشكلة كردية في تركيا، كما اعترف بوجود أخطاء في السياسة القديمة وتعهد بفتح صفحة جديدة أكثر ديموقراطية مع الأكراد، وسبق لردوغان أن قال في تصريح أدلى به لدى استقباله مجموعة من المثقفين الأكراد :((أن الحل الوحيد هو تحقيق الديموقراطية والإصلاحات في النظام التعليمي )). وأضاف انه يجب مناقشة المشكلة الكردية في إطار مبادئ الجمهورية والنظام الدستوري وأمام حشد كبير من الأكراد قال في ديار بكر يوم 12 آب –أغسطس 2005: (( أريد أن تعلموا أن تركيا لن تعود إلى الوراء، ولن تسمح بأي تراجع في العملية الديموقراطية ،وسوف تحل جميع المشاكل بمزيد من الديموقراطية والحقوق المدنية والازدهار )) .
مع أن قادة حزب العمال الكردستاني رحبوا بمواقف اردوغان، وعدوها خطوة ايجابية، لكنهم ذكروا بان رؤساء وزراء أتراكا آخرين اقروا بالواقع الكردي، ولكنهم لم يترددوا في استخدام الحل العسكري بدلا من تسوية القضية سلميا(25) .
ويبدو من خلال المتابعة الميدانية أن حكومة حزب العدالة والتنمية جادة في سياستها تجاه المسألة لكردية من حيث إقدامها على رفع حالة الطوارئ التي كانت مفروضة منذ 15 سنة في جنوب البلاد ،كما سمحت ببث البرامج التلفزيونية باللغة الكردية وسمح بإنشاء معاهد خاصة لتعليم اللغة الكردية واتخذ قرار بان تبدأ 11 قناة تلفزيونية في أواخر كانون الأول 2005 ببث موادها ضمن ساعات محددة باللغة الكردية والاهم من ذلك الإعلان عن البدء باستثمارات صناعية كبيرة في جنوب شرقي البلاد حيث يكون الأكراد أكثرية السكان، ودعوة رجال الإعمال بأخذ زمام المبادرة، والعمل لتنمية وتحديث المنطقة. وأخيرا لابد من التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن الأكراد في دعمهم لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة، إنما ينطلقون من حقيقة انه الأقل عداء لهم من الأحزاب القومية الأخرى. فضلا عن أن قادة حزب العدالة والتنمية أكثر شعبية، وأكثر مصداقية، ونظافة كف، ورغبة في خدمة الشعب التركي، وحل مشاكله وتحقيق المساواة بين أفراده (26).


--------------------------------------------------------------------------------



أديرة الموصل


أديرة الموصل
الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل -العراق
مقدمة :
انتشرت الديانة المسيحية في الموصل قبل الإسلام ، شأنها في ذلك شأن مناطق أخرى من العراق، ونتيجة لانتشارها ،كان لابد أن يكون لاتباع هذه الديانة كنائس وأديرة .وقد عاش في الاديرة الرهبان الذين جنحوا الى العزلة وانقطعوا للنسك والعبادة .ويقال ان الاديرة بدأت اول الامر على شكل أكواخ منفردة لكل منها رئيس، ثم كبرت الفكرة وأصبحت الأكواخ دورا كبيرة يعيش فيها الرهبان عيشة مشتركة يجمعهم سقف واحد وتسيرهم أدارة رئيس واحد ، ثم أنشئت في المدن أو قريبا منها وتولاها الأساقفة.(1)
والأديرة: جمع ومفردها دير ولغة تعني( خان )وصاحبه يسمى الديراني. (2) أما اصطلاحاً، فهي الأماكن التي يتعبد فيها الرهبان، أي أن وظيفتها دينية بحتة(3) والهدف الرئيسي من إنشاءها هو ممارسة حياة التقوى والتأمل، خاصة وان النصرانية دعت الى الزهد بعــد
أن أصابها الاضطهاد من السلطات الحاكمة في أول الأمر، مما أضطر عدد من المؤمنين الى الفرار بدينهم الى البراري والجبال والاماكن المنعزلة .(4) وبهذه الطريقة نشأت فكرة الرهبنة التي يعدها بعض الباحثين نوعا من أنواع الاحتجاج الفردي على نظام حاز على تأييد الدولة في الوقت الذي سعت فيه الكنيسة بالمقابل الى تثبيت مركزها إزاء هذه النزعة الجديدة. (5)
وتختلف االاديرة أو كما كانت تسمى (الديارات ) ، باختلاف مواضعها، فمنها مابني فوق قمم الجبال، أو ضفاف الأنهار، ومنها مااقترن بالمدن وضواحيها أو بالارياف اوما انفرد في البراري والقفار.(6) ويشترط في كل دير من الأديرة صغيرا كان أم كبيرا أن يكون فيه (بيعة) يصلى فيها، كما ويشترط أن يحتوي على( صومعة) للتعبد أو كما تسمى (قلاية ) ، تستوعب من فيه من الرهبان أو الراهبات ، ولا يخلو أي دير من الديارات من خزانة للكتب أي (المكتبة) والتي يجد فيها الرهبان ما يحتاجونه من المصادر والمراجع التي تتناول موضوعات دينية وأدبية وعلمية مختلفة، فضلا عن الكتب المقدسة وتفاسيرها وكتب الفلسفة واللاهوت وسير الشهداء والقديسين والحياة النسكية والعبادات والطقوس الدينية وغير ذلك مما تحفل به رفوفها.7).ولم تقتصر المكتبات على تأدية هذه الوظيفة بل كانت مكاناً لاجتماع الرهبان حيث كانوا يطالعون فيها ويؤلفون الكتب ويحققون المخطوطات ويتناقشون في امورهم ومشاكلهم .
كما احتوت الأديرة على دور للضيافة ينزل فيها زوار الدير والمجتازون به، كما حرص مؤسسوا الأديرة الاوائل على ضمان وجود الماء في اديرتهم وبالشكل الذي يلبي متطلبات معيشتهم، لذلك حرصوا على حفر الآبار داخل الأديرة في حالة كون الدير بعيد عن مجاري المياه أو حفر الصهاريج في جوف الصخر ليجتمع فيه الماء.(8)
ومن الطريف القول بأن معظم الاديرة انشئت في أجمل المواقع وأحسنها هواءً وأجملها منظرا فكانت البساتين تحيط بها من جميع جهاتها، لذلك قصدها الشعراء والأدباء الذين كانوا يخرجون إليها وينظمون فيها قصائدهم ، (9) وبذلك جمعت الاديرة بين ميزتين وأدت مهمتين الاولى دينية والثانية ثقافية .
لقد كانت الموصل كمدينة وكمركز حضاري من ابرز المدن العربية والاسلامية التي احتضنت عددا من الاديرة ولاتزال هذه الاديرة تشكل معلما مهما من معالم الحضارة والانسجام بين المكونات الدينية والاجتماعية وكثيرا ما شارك الاهالي في الموصل بعضهم البعض في الاحتفالات التي تقام بهذه الاديرة لذلك فيه بحق عريقة في أنشاء الأديرة بل هي موطن الأديرة، فمنذ اواخر القرن السادس الميلادي احتوت الموصل عددا كبيرا من الأديرةوليس من السهولة حصرها فهناك من يتحدث عن دير ايشوعياب(القرن السادس ) ودير مار ايليا(القرن السادس ) ودير مار اوراها(القرن السابع ) .. لكن لابد من الوقوف عند اشهرها فمن اشهر اديرة الموصل:
- الدير الأعلى:- ويسمى الدير الأعلى أو دير مار كوربيل ويقع هذا الدير شمال شرق الموصل وتحديداً على ضفة نهر دجلة اليمنى وداخل أسوار منطقة قلعة باشطابيا الحالية والدير الاعلى كان ديرا كبيرا عامرا يضرب بموقعه المثل في رقة الهواء وحسنه، ويعد الان من الاديرة البائدة وويعتقد انه اسس في نحو القرن السابع اليلادي ولم يكن للنصارى في وقت انشاءه دير مثله، لما فيه من أناجيل ومتعبدات وفيه قلايات كثيرة للرهبان، وله درجة منقورة في الجبل ويفضي الى دجلة نحو المائة مرقاة، وعليها يستقى الماء من دجلة، وتحت الدير عين كبيرة تصب الى دجلة، يقصدها الناس للاستحمام بها حيث أنها تبرئ من الجرب والحكة وغيرها من الأمراض الجلدية، وتعرف اليوم بعين كبريت (10)، ويذكر ياقوت (11) الحموي أن هذه العين ظهرت تحت الدير في سنة (301 هـ/ 913م) وان فيها عدة معادن كبريتية. وتأتي شهرة الدير من أن العديد من البطاركة قد عاشوا فيه .كما ضم كذلك مدرسة عليا اشتهر أساتذتها بمؤلفاتهم حتى انها عرفت في التاريخ بمدرسة أم الفضائل، وكان الخلفاء وأرباب الحكم يرتادونها ويقضون فيها أياما للراحة وعندما مر المأمون بالموصل في طريقه الى دمشق نزل به وأقام فيه أياما، ووافق نزوله عيد الشعانين، فجلس المأمون في موضع منه حسن ومشرف على دجلة والبساتين، ويشاهد فيه من يدخل الدير، وقد زين الدير في ذلك اليوم بأحسن زي، وخرج رهبانه وقساوسته الى المذبح وحولهم معاونيهم وبأيديهم المجامر وقد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة وقد استحسن المأمون ذلك، وعطف الى المأمون من كان معهم من الجواري والحواشي ، بيد كل واحد منهم تحفة من رياحين ، وبأيدي جماعة منهم كؤوس فيها ما لذ وطاب من الاشربة ، فأدناهم، وجعل يأخذ من هذا ومن هذه تحية، وقد شغف بما رآه منهم، وفي ذلك قال الشاعر احمد بن صدقة :
- ظباء كالدنانير ملاح في المقاصير
- جلاهن الشعانين علينا في الزنانير
- وقد زرفن أصداغا كأذناب الزرازير(12)
- واقبلن بأوساط كأوساط الزنابير
ويذكر الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف (13 )،أن المورخ ورجل الدين المسيحي سليمان الصائغ قد تحدث في كتابه( تاريخ الموصل)وتحديداً في الجزء الثالث والذي كرسه للحديث من معالم مدينة الموصل، كثيرا عن قلعة باشطابيا وذكر أن الكلمة تتألف من مقطعين، ( باش أي الرئيسة وطابية أي القلعة)، وتقع باشطابيا شمال شرق المدينة، وموقعها داخل الموصل، وقد أشار صايغ الى أن بعض المصادر ذكرت أن القلعة كانت خارج الأسوار وهذا غير صحيح فباش طابية تقع داخل الأسوار المندثرة وملاصقا لها بذيل برجها الأعلى باشطابيا، ونقل الصائغ عن المؤرخين والبلدانيين العرب والرحالة الأجانب انطباعاتهم عن القلعة.
ومن الجدير بالذكر أن لاوجود حاليا لهذا الدير، لأنه بمرور الزمن والأحداث الأليمة التي مرت عليه أصبح في ذمة التاريخ.
دير مار بهنام: ويسمى دير الجب أيضا ويبعد حوالي 35 كم جنوبي شرق الموصل، وهو من الأديرة الكبيرة للسريان: ويحتوي الدير على أثار كثيرة بعضها منحوتة من المرمر، فضلا عن زخارف متنوعة وصور بارزة بالرخام والجبس والآجر المزجج وغير ذلك، وواجهة الكنيسة عليها نقوش وكتابات عربية وسريانية نافرة وبعضها محفورة. حيث تحيط بالأبواب والشبابيك، وتعلو أقواس الأبواب صور اسود وحيوانات غريبة الأشكال، وفي الجانب الأيمن للباب قطعة آجر مزجج ازرق اللون فيها صورة ثلاثة غزلان بيضاء، وفي وسط الواجهة تاج مزخرف في بناية متشابكة، وداخل الكنيسة أثار مختلفة من النحت على الرخام، والكتابات المحفورة بعضها نافر وبعضها غائر، تحيط بالأبواب والمداخل.
وفي داخل الكنيسة صورة القديس ماربهنام ممتطياً صهوة جواده وهي مصنوعة من الجبس، تقابلها صورة أخته سارة وهي من الصور الجبسية وتعد قبة المصلى من أجمل القبب، فهي تستند الى مقبوضات كثيرة مكتوب عليها كتابات عربية وسريانية مزخرفة وترتفع القبة بمقدار (11متر) وينتهي أعلاها بدائرة تجمع حولها وفيها الزخارف الهندسية، وفي وسطها فتحة للنور (14)
دير سعيد : وهو من الديارات القديمة ويقع في جنوب الموصل وتحديدا جنوب معسكر الغزلاني ألان في واد جميل وقد اسس الدير في القرن الأول للهجرة، السابع للميلاد، على يد إيليا الحيري العبادي العربي، وجدد بناءه سعيد بن عبد الملك ويعرف اليوم بدير مار ايليا والدير الخربان، لأنه مهجور، ويسمى وادي الدير ويوجد حوله قلالي كثيرة، حسنة العمارة، وفي كل قلاية جنينات للرهبان (15).
وفيه عدد كبير من الزخارف والنقوش. وفي عام 1743م قام الفرس. بتدميره، فوقع فيه الخراب والدمار وبقي مهملا ولحد الآن، وحاليا هو مجموعة أطلال ومهجور ويحتفل الناس بعيده في أسبوع موسم الخريف، (16) حيث يقصده الناس والشعراء والأدباء ، وله ذكر كثير في أشعارهم، وفيه يقول الخالدي ويصف ماشاهده في جمال المنظر :
ياحسن دير سعيد أذا حللت به والأرض والروض في وشي وديباج
فما ترى غصنا الا وزهرته تجلوه في جبة منها ودواج
وللحمائم الحان تذكرنا احبابنا بين أرمال واهزاج
وللنسيم على الغدران رفرفة يزورها فتلقاه بأمواج
والخمر تجلي على خطابها فترى عرائس الكرم قد زفت لأزواج
وكلنا في أكاليل البهار على رؤوسنا " كانو شروان " في التاج
وقولتي والتفاتي عند منصرف والشوق يزعج قلبي أي إزعاج
يادير ياليت داري في فنائك أو ياليت انك لي في درب دراج (17)
دير مار كور كيس:
يقع دير مار كوركيس على بعد 9 كم الى الشمال من مركز مدينة الموصل و 800 م عن يمين الطريق المؤدي من الموصل الى دهوك، كان في الأصل كنيسة باعويرة التي هجرها أهلها النصارى.(18) ولقد ورد أول ذكر للدير سنة 1691،في مخطوطة محفوظة في دير السيدة لراهبات الكلدان.(19) يدعى هذا الدير باسم دير مار كور كيس، وتجمع المصادر جميعها على هذه التسمية ، ويذكر أن شفيع الدير هو القديس ماركوركيس أو جرجس، وقد يكتب أو يلفظ جورجيس ويلفظ جرجيس وهو اسم معروف وشهير جدا في الأوساط المسيحية وحتى الإسلامية والديارات والكنائس المشيدة بهذا الاسم لاتحصى نذكر من الكنائس على سبيل المثال لا الحصر، وفي العراق فقط، ثلاث كنائس في الموصل، وكنيسة في بغداد، وكنيسة في القوش وعينكاوة وكرمليس وقرة قوش، وتلسقف، وزاخو، وفيشخابور، وبيرسفني، وشيوز، كلها باسم كوركيس، وتتلخص قصة الشهيد كوركيس في أن ضابطا رومانيا كان يسكن في نيقوميديا، اهتدى الى دين المسيح في أيام الإمبراطور ديوقلسيانوس ( 245-313م) الذي اضطهد المسيحيين بتحريض من غالريوس احد انسبائه، دفعت كور كيس الى أن يمزق المرسوم الإمبراطوري القاضي بالاضطهاد والذي أمر الحاكم بوضعه على باب القصر في نيقوميديا عام 303، فألقى القبض عليه ونفذ فيه حكم الإعدام، فذاعت شهرته في كل الأوساط نظرا لبسالته، وصار يضرب المثل بشجاعته، حتى حكيت حوله الأساطير والحكايات (20)
ويشتمل الدير حاليا على قطعة ارض مساحتها أكثر من ثلاثة دونمات وكنيسة الدير جددت سنة 1843، وتم بناء حصن للدير في سنة 1908 ولتنشيط الرهبنة الكلدانية تم افتتاح مدرسة رسوليه عام 1962. وأضحى الدير بعد ذلك مزارا يقصده الناس. (21)
دير مار ميخائيل :-
يقع هذا الدير على ضفة دجلة الغربية، يرجع تاريخ الدير الى القرن الرابع الميلادي، وعرف بهذا الاسم نسبة الى مؤسسه مار ميخائيل الملقب بـ ( رفيق الملائكة ) وذلك بسبب تعلقه الشديد بالملائكة اشتهر هذا الدير لقرون عديدة، واحتوى على مدرسة حتى أنها ظاهت بأساتذتها وصيتها مدرستي نصيبين والرها الذائعتي الصيت، (22) ولقد انضم الى هذا الدير عدد كبير من الرهبان حتى بلغ عددهم في بعض الأوقات (700) راهب، ولا يزال قسم كبير من بناء الدير باقيا لحد الآن ومنه الكنيسة، وعند أسفل الجدار الجنوبي للدير يوجد قبر مؤسسه مار ميخائيل. (23)
ويعد دير مار ميخائيل من متنزهات الموصل حيث كان الشعراء يقصدونه في أوقات فراغهم يتمتعون بجمال موقعه وعذوبة هوائه.(24)
دير الربان هرمز :-
دير عامر يقع في شمال الموصل على بعد 33 ميلا منها، وقريبا من القوش وموضعه في أعالي جبل بيت عذرى المعروف بجبل القوش وتعود ملكية هذا الدير للكلدان حيث أنشأه الربان هرمز الفارسي النسطوري في الربع الثاني من القرن السابع للميلاد. (25) يحتوي الدير على بعض الغرف المنقورة بالصخر، وفيه كنيسة أثرية رممت على مر العصور، وتحتوي على كتابات كلدانية، كما كان في الدير مكتبة غنية نهبت عام 1844 م واتلف عدد كبير من مخطوطاتها.(26)
ديرمار متي :-
ويعرف أيضا بدير الشيخ متي أو دير الألوف وذلك لان الرهبان الذين كانوا فيه بلغ عددهم سبعة آلاف راهب، يقع الدير شرق الموصل ويبعد عنه بمسافة 35 كم، وتحديدا، عند سفح جبل مقلوب، ( 27) وهو من أكثر الأديرة المسيحية شهرة ومكانة وصيتا عند الارثودكس، (28) ويرتاده الناس جميعا من المسلمين والمسيحيين للنزهة والترويج، كما يحتوي الدير على مدرسة ومكتبة تحتوي كتبا ثمينة . (29)
أقيمت أبنية الدير في القرن الرابع للميلاد، ويبلغ ارتفاعه 3400 قدم وقد تجددت أبنيته سنة 1609 م ورممت في سنة 1672، كما تم تجديد كنيسته في سنة 1858، وأضيف الى الدير أبنية وغرف سنة 1872م،كما جدد قبل سنوات وربط الدير بشارع جميل ومن أثاره العتيقة قلاية مؤسسه القديس متي والصاعد إليه سيرا على الإقدام يتسلق الجبل بين مرتفعين، والطريق موصوف بالحجارة، حيث هناك 32 استدارة الى اليمين والى اليسار وتقدر بكيلو متر تقريبا وهذا الطريق يطلق عليه تسمية طبكي، وهي كلمة سريانية من ( طوبو) أو (طيبوتو) ومعناها المرتقى أو الصعود علوا أو الارتقاء، هذا الطريق الى الدير تسلقا، أما الطريق الآخر والذي شق في الثمانينات من القرن الماضي وهو مخصص للسيارات ويقع شمال الطريق الأول، وهو يتلوى كالأفعوان يمينا ويسارا، وفيه التواءات حادة وقوية، أما بوابة الدير فعالية وتزينها قطعة من حجر الحلان منقوش عليها عبارة "دير مار متي للسريان الارثودوكس " بالعربية والسريانية وتعلو البوابة المجرسة التي صممت على شكل قبة صغيرة لاتختلف عن غطاء الرأس الذي يستعمله المطارنة الارثودوكس.
وهناك درج يقود الى جوف الدير (30) وعلى حائط دهليز في دير متي بيتان من الشعر وهما.
يادير متي سقت أطلالك الديم وانهل فيك على سكانك ألدهم
فما شفي غليل ماء على ظمأ كما شفى حر قلبي ماؤك الشيم.
ولا يعرف من هو صاحب هذين البيتين،الا ان طريقة بناء الدير ومعيشة الرهبان فيه قد بهرت الشاعر فوجد بأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يعبر من خلالها عن عظمة الكهوف والقلايات التي حفرتها أنامل وأزاميل اولئك النساك. (31)
ويوجد في الدير قلاية المؤرخ ابن العبري، صاحب كتاب تاريخ مختصر الدول المعروف ، وهي منقورة بالصخر ومزينة بكتابات من الانجيل ،(32).
والدير عامر في الوقت الحاضر،ويقصده الناس في فصل الربيع والصيف طلبا للراحة والاستجمام .
خاتمة وتوصيات :
يوجد في الموصل عدد كبير من الأديرة، والتي تقع في مناطق متفرقة منها، معظمها تمتاز بجمالية عالية في النقوش والزخارف، والمتتبع لهذه الأديرة يجد أنها تعود الى جميع الطوائف المسيحية ،ولكن ذلك لم يمنع المسلمين في الموصل من ان يشاركوا اخوانهم زيارة تلك الاديرة والاحتفال باعيادها .وقد كان لهذه الاديرة دور كبير في اغناء حركة البحث والتاليف في موضوعات دينية وأدبية وعلمية وفلسفية وغيرها.


ونظرا لأهمية الأديرة ودورها الديني والاجتماعي والثقافي في مثل ظروفنا هذه، نؤكد ضرورة الاهتمام بها، وتوثيق تاريخها، وصيانتها، والسعي باتجاه ربطها بطرق ومواصلات مناسبة، وتسهيل زيارتها من قبل الناس. كما ندعو الباحثين وطلبة الدراسات العليا لاختيار موضوعاتهم عن الأديرة. سواء من النواحي التاريخية أو الاثارية أو المعمارية أو الدينية أو الاجتماعية.
قائمة المصادر:-
1.مصطفى الشكعة، سيف الدولة الحمداني، القاهرة، مطابع دار القلم 1959،171 – 172.
2.أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور (711هـ/1311م)، لسان العرب المحيط، تقديم عبد الله العلايلي، إعداد وتصنيف، يوسف خياط، بيروت، دار لسان العرب، 1981،1/1042
3.شهاب الدين أبي عبد الله بن ياقوت الحموي (ت 626 هـ/ 1228م)،معجم البلدان، بيروت، دار الكتاب العربي، د.ت، 2/495؛ صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، تحقيق علي البجاري، ط1، بيروت، دار المعرفة، 1954م، 2/549.
4.فتحي عثمان، الحدود الإسلامية البيزنطية بين الاحتكاك الحربي والاتصال الحضاري، القاهرة، دار الكتاب العربي، 1966م، 3/328وكذلك : أسد رستم، الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، بيروت، دار المكشوف،1955م، 1/102 – 103
5.نورمان بنز، الإمبراطورية البيزنطية، تعريب حسين مؤنس ، القاهرة لجنة التأليف والترجمة، 1950م، 110 – 111.
6.أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي (ت 388هـ/998م)، الديارات، تحقيق كوركيس عواد، بيروت، دار الرائد العربي، 1986م، 49.
7.الشابشتي، المصدر السابق، 49 – 50، البغدادي، مراصد الاطلاع، 2/549.
8.الشابشتي، المصدر نفسه، 49 – 50، البغدادي المصدر نفسه 2/549.
9.الشكعة، المصدر السابق، 171 – 172.
10.الشابشتي، المصدر السابق، 74م، 375.وقد كتب عن الدير الاب جان موريس فييه الدومنيكي في كتابه :الاثار المسيحية في الموصل ،ترجمة نجيب قاقو ،مطبعة الطيف ،(بغداد ،2000 ) ،ص ص 163 -175 .
11.معجم البلدان، 2/644.
12.الشابشتي، المصدر السابق، 178، وللمزيد انظر : سعيد الديوه جي، تاريخ الموصل، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، 1982، 1/236 – 237
13.انظر كتابه : شخصيات موصلية، دار الجيل العربي، العراق الموصل، 2007م، 122 – 123.
14.سعيد الديوه جي، الموصل في العهد الأتابكي، بغداد، مطبعة شفيق ، 1958م، 173 – 174.
15.الديوه جي، تاريخ الموصل، 1/239.
16.www,telskuf,com
17.الديوه جي، تاريخ الموصل، 1/239.
18.عبد الجبار محمد جرجيس، دليل الموصل العام، الموصل، مطبعة الجمهور، 1975/100
19. www,baqofa,com
20.www.stmaricom…m1yzm/show posts aspy. 21.www,baqofa,com
22.www.marnaysay.com.
23.www.telskuf.com. ؛ جرجيس، المصدر السابق، ص100.
24.الديوه جي، الموصل في العهد الأتابكي، 172.
25.جرجيس المصدر السابق، ص 100.
26.الديوه جي، الموصل في العهد الأتابكي، 172.
27.الديوه جي، المصدر نفسه، 173.
28.موسوعة الموصل الحضارية، 2/211.
29.الديوه جي، الموصل في العهد الأتابكي، 173.
30. www.coptreal.com.
31.www.coptreal.com.
32.الديوه جي، الموصل في العهد الأتابكي، 173.

الحياة الفكرية في الثغور والعواصم حتى القرن الخامس للهجرة الحادي عشر للميلاد


الحياة الفكرية في الثغور والعواصم حتى القرن الخامس
للهجرة الحادي عشر للميلاد
د. سناء عبد الله عزيز الطائي
الموصل / جامعة الموصل / دار ابن الأثير للطباعة والنشر / 2009
398 صفحة ؛ حجم كبير
حظيت الثغور والعواصم بعناية كبيرة من لدن العلماء ، نظرا لأهميتها ودورها الفاعل في أحداث التاريخ العربي الإسلامي طيلة مدة القرون الستة الهجرية الأولى ، وتركزت تلك العناية والدراسات على الجوانب السياسية والحربية والادارية ، أما الجوانب الحضارية ولاسيما الفكرية والعلمية منها فنجد أنها قد أغفلت إلى حد ما .
يسلط هذا الكتاب الضوء على الحياة الفكرية في الثغور والعواصم ، لأنها تشمل العطاء الفكري كله الذي قدمه العلماء والفقهاء ، وان هذه الثغور لم تكن دارا مرابطة فحسب ، أو أقاليم نظمت إداريا ، بل كان لها إسهام فكري هو جزء من ذلك التاريخ المشرق للحياة الفكرية في الدولة العربية الإسلامية طيلة القرون الستة الأولى وبعدها مؤكدة على أصالتها وتفرعها ، وعـدت من الشـواهد التاريخية القيمـة .
اشتمل الكتاب على أربعة فصول :-
الأول : أعطى صورة عن مفهوم الثغور والعواصم واهم المدن ومراحل بناؤها ، وأهم الأحداث السياسية التي مرت بها ، فضلا عن الأنهار والبحيرات والجبال الموجودة في المنطقة من اجل التعريف بأهم المدن التي تركزت فيها الحياة الفكرية وظهور العلماء فيما بعد .
الثاني : خصص لدراسة عوامل ازدهار الحياة الفكرية في الثغور والعواصم ، والتي قسمت إلى عوامل داخلية وخارجية .
الثالث : تضمن دراسة المراكز الفكرية في الثغور والعواصم .
الرابع : تناول دراسة ميادين الحياة الفكرية التي قسمت على العلوم الدينية والعلوم اللسانية .




© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006

قضية الحجاب في تركيا


قضية الحجاب في تركيا


الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي
جامعة الموصل


لعل من أبرز ما حرص عليه مصطفى كمال أتاتورك وهو يحث الخطى نحو جعل تركيا دولة علمانية , أبراز الجوانب المظهرية في الشخصية التركية من خلال إصدار سلسلة من الإجراءات والقوانين التي أكدت على قطع صلة بلاده بالشرق وبتقاليده , ومن بين ما أكد عليه هو ضرورة التزام المرأة التركية بنوع من اللباس الغربي الذي عكس إلى حد كبير ما شهدتهُ تركيا منذ مطلع القرن العشرين من تغيرات جوهرية في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية , ومن هنا فقد شكلت قضية الحجاب الراهنة في تركيا احدى المشاكل التي لا تزال تنغص مضجع العلمانيين بل والمؤسسة العلمانية التركية برمتها .
وبقدر ما يتعلق الأمر بالقوى والتيارات الإسلامية فأن قضية الحجاب تمثل لديهم حالة مهمة من حالات التمسك بالثوابت الإسلامية , لذا فأننا نلحظ باستمرار أن ثمة صراع ذو أبعاد مختلفة يدور في تركيا بين العلمانيين والإسلاميين حول قضية الحجاب، ولغرض فهم هذه القضية ووضعها في إطارها التاريخي لابد معرفة الكثير من جوانبها سواء من الناحية الشكلية أو الناحية الجوهرية .
مفهوم الحجاب:
نقصد بالحجاب لغة يعني: الستر , وحجب الشيء يحجبه حجبا , وحجبه سترة , وامرأة محجوبة قد سترت بسترة .(1)
أما اصطلاحا . فمعناه أن تستر المرأة بدنها عن الرجال الذين ليسومن محارمها , عملا بقوله تعالى  ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ألا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن ) ٢) ,
وقال تعالى وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب (٣ ) سورة الأحزاب آية 53. والمراد هنا من الحجاب ما يستر المرأة من جدار أو باب أو لباس, ولفض الآية وان كان يخص أزواج النبي محمد  ولكن حكمه عام لجميع المؤمنات وذلك عملآ بقوله تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن  (4), فالحجاب مفروض على كل مسلمة بالغة عاقلة
أما بخصوص موضوع الحجاب في تركيا , فأن الأغلبية الساحقة من سكان تركيا يعتنقون الدين الإسلامي , ويشكل المسلمون حوالي 99% من مجموع السكان (5) , وقد لعب الإسلام الدور الأهم من حياة الإمبراطورية العثمانية حيث جمع السلطان العثماني بيده السلطتين الدينية والدنيوية ، ومع إقامة الجمهورية التركية سنة 1923م بدأت الحكومة بأتباع سياسة علمانية كان الهدف منها بالدرجة الرئيسية منع علماء الدين وقوى المعارضة من استخدام الدين كأداة ضدهم ، فضلا عن أن الكمالية قدمت مجموعة من الأفكار التي بلورها رئيس الجمهورية مصطفى كمال(1923-1938) (6) ، على أنها المنظومة التي تتيح لتركيا الخروج من مرحلة سابقه اتسمت " بالتخلف والتشرذم " ومحاولة الخروج منها والدخول في عالم الحضارة الغربية حيث وصف ذلك بقولة " الحضارة التي يجب أن ينشئها الجيل التركي الجديد هي حضارة أوربا مضمونا وشكلا ،لأن هناك حضارة واحدة الأوربية ، هي الحضارة القائدة ، والحضارة الموصلة إلى القوة والسيطرة على الطبيعة ، وخلق الإنسان السيد والأمة السيدة .... وان جميع أمم العالم مضطرة إلى الأخذ بالحضارة الأوربية لكي تؤمن لنفسها الحياة والاعتبار "(7) .


أما عن قضية الحجاب في تركيا فأن الرؤية بالنسبة للحجاب تختلف بحسب نوعه ، وهم يضعون نوعين للحجاب ، احدهما تقليدي متوازن. بحكم العادات الاجتماعية والدينية ، أما الأخر فهو تعبير سياسي يحمل معه قناعات وإيديولوجيات خاصة ، والأول ظل حاضرا في الأرياف والقرى التركية منذ الاستقلال ، بينما الآخر لم يظهر ألامع صعود الحركات الإسلامية في تركيا نهاية الستينات من القرن الماضي (8)،حيث سعت تركيا لكي تكون عضوا في المجموعة الأوربية (9) ، الذي تقتصر عضويته حتى الآن على دول أوربية مسيحية ، ألا أن تركيا والمغرب قدما طلبا للانضمام إلى الاتحاد ، وقد قوبل الطلب بالرفض ،وقد علل الرفض الأوربي للطلب المغربي بحجة العامل الجغرافي بكونها دولة افريقية وليست أوربية , أما بالنسبة إلى تركية فعلى الرغم من أن قسما من أراضيها تقع في أوربا , ألا ان الاوربيون ينظرون أليها على إنها بلد أسيوي (10 )
وفضلا عن ذلك كله بقي مفكرو عصر النهضة التركية مثل احمد مختار الذي قال " أما أن نصبح غربيين وأما أن نهلك " وكذلك عبد الله جودت الذي كان يقول : "ليس هناك حضارة أخرى , تغني الحضارة الأوربية " , إن هذه الأفكار وان كانت تعبر عن محدودية أفق صانعيها , لأن أتاتورك عندما الغى الإسلام دينا للدولة ورفع شعار العلمانية لم يكن يعني في الواقع التطبيقي على ارض الواقع سوى أمساك الدولة بالشأن الديني وأدارته , ورسم خطوطه والهدف الحقيقي هو وضع علماء الدين تحت سيطرة الدولة (11) ولعل مما ينبغي التأكيد عليه هو أن الخطوات التحديثية التي أقدمت الحكومات التركية المتعاقبة عليها لا تلغي واقع أن تركيا بلد مسلم له وشائح قربى ومصير مع المحيط الإسلامي , وربما قد تنجح تركيا في تحقيق بض الخطوات على الصعيد الاقتصادي , ألا إنها لا تستطيع أن تحقق نجاحا على القيم الأخرى , ومن هذه القيم موضوع الحجاب والذي أصبح منذ عام 1980 وحتى الآن سببا في استقطاب الرأي العام التركي خاصة والإسلامي عامة .


الحكومات التركية وقضية الحجاب:
لو بحثنا عن البداية الحقيقية لقضية الحجاب لوجدنا أن أول ظهور لها كان 1966-1967 حيث كانت الطالبة نسيبة بولايجي الطالبة في المرحلة الاولى بكلية الإلهيات في انقره تدخل محاضرتها بالحجاب لفترة ما , ألا أنها خلعته بعد ذلك بعد التحذيرات الشديدة التي وجهت أليها , وفي العام التالي دخلت خديجة بابجان الطالبة بنفس الكلية محاضرتها بالحجاب , وعلى الرغم من التحذيرات , ألا أنها أبت الرجوع عن ذلك وبعدها ارتفع عدد الطالبات المحجبات إلى ست (12 ) .
ويعتبر عام 1980 البداية الحقيقية لمعاناة المسلمات التركيات من قضية الحجاب , خاصة بعد أن استولى الجيش على السلطة واصدر جملة من القرارات الظالمة من أبرزها منع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في الجامعات فضلا عن المدارس والمعاهد وبقية مؤسسات الدولة مما اضطر معه عدد من العوائل المسلمة في تركيا إلى تعليم بناتهن في جامعات أجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى لا تمنع من ارتداء الحجاب في الجامعات كما تحظره تركيا (13) ,
ويمكننا في هذا الصدد أن نشير إلى إن بنات رجب طيب اردوغان(رئيس وزراء تر كيا) نفسه , يدرسن في الجامعات الأمريكية التي لا تحظر ارتداء الحجاب.
ومن ثم احتدم الموقف بعد ذلك ووصلت قضية الحجاب مرحلة مناقشتها في جدول مناقشات الحكومة , خاصة بعد الخطاب الذي أرسله حسن صغلام (Has an saglam) في 22كانون الأول 1980 إلى وزارة التربية والتعليم ورئاسة الشؤون الدينية يطلب فيه الرأي بشأن حالة الفتيات الدارسات بالأئمة والخطباء , ولقد كان هذا تصرفا غريبا , لأنة ذكر بالفتوى التي كانت تطلب سابقا من شيخ الإسلام في الدولة العثمانية (14).
وجاء رد رئاسة الشؤون الدينية على الخطاب بالاستشهاد للحجاب ، ونص تقريرها بأن عدم السماح للطالبات بالحجاب ظلم كبير ،ألا إن حسن صغلام وزير التعليم الوطني أوضح بعد فترة ومن خلال الخطاب الوطني أوضح بعد فترة ومن خلال الخطاب الرسمي الذي بعث به إلى المدارس قائلا فيه " لا يسمح للفتيات بتغطية رؤوسهن بأي شكل من الأشكال " (15) .
ولقد أشارت الإحصاءات الأولية إلى أن معظم الطالبات من اللواتي أردن متابعة دروسهن في الخارج اخترن النمسا وألمانيا وايرلندا وهولندا والمجر وأذربيجان ، والغالبية قصدن أذربيجان لأنها دولة مسلمة وتتفق تقاليدها وأعرافها مع التقاليد التركية ، والمفارقة هنا أن الدولة الثانية الأكثر اختيارا للحجاب هي المجر،
والسبب هو أن جامعة بودابست بادرت إلى إرسال لجنة علمية منها إلى اسطنبول لأجراء اختبارات قبول للطالبات ، وهذا ضمن لهن معرفة وضعهن في بلادهن ، أما النمسا فأنها تقدم بعض المنح للطلبة الأتراك ، ومن هؤلاء (سمرة باتور ) البالغة من العمر 24 عاما حيث واصلت تعليمها هي والعديد من زميلاتها التعلم في أذربيجان وتقول سمرة :"انه أمر صعب بالطبع لكننا اضطررنا لعمل ذلك ، لقد فعلت ما يجب أن افعله لأنني كنت أريد استكمال تعليمي ، لنا الحق في التعليم "(16) .
ومن القصص الأخرى قصة ليلى شاهين الطالبة في السنة الخامسة في كلية الطب في جامعة اسطنبول والتي كانت على خطوات معدودة من التخرج لتصبح طبيبة ، عندما صدر قرار المجلس الأعلى للتعليم بطرد المحجبات من الجامعات ولو لم يبقى على تخرجهن سوى ساعات (17) ،
ومن القصص الأخرى قصة الرئيس التركي السابق سليمان ديمريل الذي قام بزيارة رسمية في عام 1996 إلى ألمانيا ، وحينما وصل هناك وأثناء حفل الاستقبال تقدمت إليه طفلة من الجالية التركية المقيمة في ألمانيا وكانت تحمل معها باقة ورد تريد إهداءها إلى رئيس بلادها , ولكن فجأة وبلا مقدمات منعت هذه الطفلة من السلام على الرئيس وتقديم باقة الورد كونها ترتدي حجابا , وهذا ما لا يمكن السماح به في المظاهر الرسمية المقامة في تركيا نفسها فضلا عن المظاهر التي تقام للرئيس أو ممثلي الحكومة في الخارج وخصوصا الأوربية منها لأن ذلك يظهر تركيا العلمانية بمظهر لا يليق بها ولا بما تتمسك به من التعاليم الكمالية (18).
ومنذ العام 1998 أتخذ المجلس الأعلى للتعليم في تركيا قرارا يقضي بطرد المحجبات من الجامعات حتى ولو لم يبق على تخرجهن سوى ساعات , وكان ذلك في أطار ما سمي بـ عملية ( 28 شباط ) 1997 من جانب مجلس الأمن القومي التي استهدفت حكومة نجم الدين اربكان وكل ماله رائحة دينية ومنذ ذلك التاريخ بلغ عدد المطرودات من الجامعات نحو أربعين الف طالبة ( 19 ) .


كما أثارت قضية النائبة المحجبة مروى قاواقجي منذ انتخابها في( 18 نيسان )1999 ضجة كبيرة حيث أبلغ رئيس أركان الجيش ( حسين كيفربك اغلو ) رئيس الحكومة (بولند اجاويد ) ورئيس الجمهورية ( سليمان ديميريل ) أثناء جلسة افتتاح المجلس الوطني التركي الكبير بأنه لا يمكن القبول أبدا بأي محاولة من جانب مروة قاواقجي لأداء اليمين الدستوري وهي محجبة , وفسر ذلك على انه تهديد بتدخل الجيش .
إلا أن مروى قاواقجي استطاعت أن تتحدى كل الظروف وتدخل قاعة البرلمان حيث قوبلت بتصفيق نواب حزب الفضيلة , في حين نهض نواب حزب اليسار الديمقراطي وبدأوا يضربون على الطاولات ويهتفون " إلى الخارج إلى الخارج " ألا أنها جلست تحت رعاية نازلي ايليجاف النـائبة المحجبة عن حزب الفضـيلة والى جانبها (20 ) .
ومنذ ذلك التاريخ تصدرت قضية ( الحجاب ) اهتمام الجميع وتحولت إلى مادة أساسية في الصراع السياسي الداخلي , ولقد ميز النائب عن حزب الطريق الصحيح ( طورهان غوفين ) بين منع الحجاب في الدوائر الرسمية ومنعه في الجامعات حيث يقول غوفين :" نحن ضد استخدام غطاء الرأس قضية سياسية , ولكن لاحق لأحد بالتدخل في شؤون الناس الذين ليسو موظفين , حيث توجد أحكام حول القيافة في الدولة , وعلى موظف الدولة احترام قوانينها عند دخوله إلى دائرة رسمية , هذا عقد اجتماعي لكنه لا يسري على الجامعات ويجب عدم التدخل في القيافة في مؤسسة حرة ديمقراطية وخاصة " (21) .
واستمر المنع للحجاب في المدارس والجامعات وقاعات المحاكم والإدارات الحكومية , وقد أجري استطلاع للرأي اجري في تركيا أخيرا اظهر انه ما يقرب من 60% من النساء في تركيا يغطين رؤوسهن خارج منازلهن (22 )
وهنا يطرح سؤال وهو هل أن منع الحجاب قانونيا أم لا , والمادة 24 من الدستور تجيب عن هذا السؤال حيث تنص على انه لا يمكن إدانة احد واعتباره مذنب بسبب قناعته الدينية والإيمانية , وعليه فأن أجبار إنسان ما رجل كان أو امرأة على ارتداء ما يخالف قناعته الدينية أمر مخالف للدستور ( 23 ) .
هذا فضلا عن أن المنع ليس قانونيا بل انه خطوة كيفية ويؤكد ذلك انه المحكمة الدستورية التي رفضت أبطال الملحق ( 17 ) من القانون 2547 والذي يطلق حرية ارتداء الزى في الجامعات بالأضافة إلى أن المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الإنسان الأوربية والتي تركيا عضوا فيها تنص على عدم التعرض لأي إنسان بسب إيمانه الديني وعليه فان منع الحجاب مخالف لهذه الاتفاقية ( 24 ) .
لقد كان للمؤسسات التعليمية دورا كبيرا في تسييس قضية الحجاب خاصة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي فقد أدى تغلغل الإسلاميين داخل المؤسسات التعليمية وكذلك الزيادة الكبيرة في إعداد مدارس الأئمة والخطباء , ومراكز تحفيظ القران إلى جعل الفتيات أللائي تلقين تعليمهن نموذجا للمسلمة الملتزمة , خاصة الفتيات المحجبات في مرحلة التعليم العالي , حيث حملنا هوية المرأة المحجبة في تركيا ,وتنامت أدوارهن السياسية ,وأخذن يطالبن ببعض الإجراءات التي تسهل نشاطها السياسي والثقافي (25 ) .


ثم دخلت قضية الحجاب في تركيا مرحلة جديدة أثر وصول حزب الرفاه إلى السلطة عام1996 . عندما بدأت المرأة الإسلامية بالدخول إلى ميدان النضال السياسي , وأصبحت تشكل عاملا مهما في الحياة السياسية , فكان أول ما قام به حزب الرفاه من اجل الانتخابات العامة , أن اظهر المرأة في دعاياته وهتافاته على أنها امرأة مظلومة ومستغلة ومضطهدة بسبب حجابها , وبناءً عليه تشجعت المرأة ودخلت ساحة النضال وعبرت عن مطالبها (26) .
وبعد وصول حزب العدالة والتنمية عام 2002والذي احد كوادره التيار الإسلامي إلى أعلى هرم في السلطة احدث تغييرا كبيرا في قضية الحجاب فبعد سنوات من العراقيل السياسية و القانونية استطاع هذا التيار أن يتجاوز ويتخطى كل الصعوبات ليكون على رأس هرم السلطة داخل الساحة السياسية التركية (27) .
وفي عام 2008 اعتمد المجلس الوطني التركي مشروع الإصلاح الدستوري والذي يتضمن تعديلا يسمح بارتداء الحجاب في الجامعات وصوت 411 نائبا في المجلس الوطني التركي الكبير ( البرلمان ) والمؤلف من 550 مقعدا لصالح اعتماد الإصلاح الدستوري بكامله , وهذا معناه أن أكثر من غالبية الثلثين المطلوبة لصناعة مثل هذا القرار الذي يراه البعض راديكاليا وأصوليا وسيرا في خطى الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية أو يغلب عليها الصبغة الإسلامية , وتم هذا الاعتماد في تصديق نهائي غلبت فيه أصوات نواب حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية المعارض ( 28 ) .
وبذلك سلكت قضية الحجاب في تركيا وبعد أربعين سنة من التوترات السياسية والاجتماعية طريقها إلى الحل حيث عثرت هذه القضية إلى من يحتضنها ويرعاها حيث سهل حزب الحركة القومية والذي سهل من قبل عملية انتخاب عبد لله غول رئيسا للجمهورية بتوفير نصاب الثلثين للتأييد بأجراء تعديل دستوري .(29)
ولقد واجه قرار الحكومة معارضة شديدة , حيث تظاهر ألآلاف من العاصمة التركية في أنقرة احتجاجا على خطة الحكومة بالسماح للنساء بارتداء الحجاب في الجامعات التركية , حيث خشي المتظاهرون من أن تفضي هذه الخطوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا العلمانية , وتجمع المتظاهرون عند ضريح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة العلمانية في تركيا وهم يحملون صوره والإعلام التركية . (30)
الاستنتاج :
لم يعد الحجاب مجرد احد إشكال تغطية رأس المرأة بل تحول إلى أداة مواجهة بين من يرونه فيه رمز سياسيا وبين من يرونه احد متطلبات الأيمان وعليه توصل البحث الى مجموعة من الاستنتاجات وهي:.
1- أن قضية الحجاب (في تركيا ) أصبحت إحدى قضايا الجدال اليومية والتي تطرح في كل وقت وحين .
2- هناك عدد من المسائل والتي تختلف فيها تركيا مع الاتحاد الأوربي ومن ضمنها المواقف الأوربية تجاه تطورات المسألة الكردية , فقد أدانت ألمانيا وبشدة سياسة الحكومة والجيش التركي حيال أكراد جنوب شرق الاناضول , وهذه المواقف هي مجرد عينات للتباين بين تركيا وأوربا , التي تريد تأسيس اتحاد منسجم مع بنيتها دينيا وفكريا و اقتصاديا , وان الأوربيين لا يريدون انضمام تركيا أليهم .
3- أن الخطوات التحديثية التي أقدمت تركيا على إجرائها لا تلغي أبدا واقع تركيا كونها بلد مسلم وله وشائج قربى ومصير طبيعية مع محيطهُ الإسلامي .
4- أن السماح بارتداء الحجاب في جميع المؤسسات الحكومية وليس في الجامعات فقط هو آمر تطالب به أكثر من 60% من أبناء الشعب التركي وهو حق من حقوقهم .
وهنا يمكن ملاحظة انه كلما تزايدت حدة الهجوم على المحجبات زاد عدد المحجبات في تركيا كما زاد بتمسك المحجبات بحجابهن , مما يدعو الحكومة التركية إلى دراسة هذه القضية وفق المصالح القومية مع مراعاة الموازنة بين مسألتين أولهما أن تركيا بلد ذو أغلبية مسلمة ولا يمكن بأي حال من الأحوال إبعاده عن محيط الإسلامي وفك ارتباطهُ وتاريخه البعيد والقريب , وثانيهما أن أوربا لا يمكن أن تقبل تركيا في صفوفها والتي ما تزال مصره على انتهاك بعض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية للإنسان التركي .




المصادر:
(1) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم أبن منظور,لسان العرب المحيط , تقديم :عبدالله العلا يلي , إعداد وتصنيف : يوسف خياط ,( بيروت , دار لسان العرب , 1981) , 1/568
(2) القرآن الكريم , سورة النور،الآية 31
(3) القرآن الكريم , سورة الأحزاب، الآية 53
(4) القران الكريم , سورة الأحزاب، الآية 59
(5) إبراهيم خليل احمد وآخرون , تركيا المعاصرة ,( مديرية دار الكتب للطباعة والنشر ،جامعة الموصل،1987)،89
(6) المصدر نفسه , 92-093
(7) محمد نور الدين , حجاب وحراب , ط1, 2001, 373
(8) http://www.alarabiya.net/save print
php? preint=1&contid=45872
(9) محمد نور الدين , تركيا في الزمن المتحول , 025
(10) محمد نور الدين , المصدر نفسه , 026
(11) محمد نور الدين , حجاب وحراب / 373-0376
(12) طارق عبد الجليل السند , , الحركات الإسلامية في تركيا المعاصرة , القاهرة , المطبعة العربية ,2001-0318
(13) http://www.asyeh.com/com/print.psp
ation=print& posti =1163§ ionid=10
(14) BKZ ,M. Ertugrul DuZdag ,Basortulu Melekler السند ,الحركات الإسلامية 318,Istanbl , 1995: 157
(15) السند , الحركات الإسلامية , 319,Cumhuriget ,11/3/1989
(16) نور الدين , حجاب وحراب , 173 .
(17) محمد نور الدين ,تركيا الصيغة والدور,الطبعة الأولى , 2008 ,93
(18) http://www.asyeh.com/print.php;action print&potid=1136§ ionid=1
(19) نور الدين , تركيا الصيغة والدور ,93
(20) نور الدين , حجاب وحراب ,177-180
(21) المصدر نفسه , 166
(22) http://www.amanjordan.orgla-news/ wm print .php ? Art ID=14316.
(23) نور الدين , حجاب وحراب ,167.
(24) المصدر نفسه , 167.
(25) السند , الحركات الإسلامية في تركيا , 324.
(26) المصدر نفسه ,324
(27) http://www.alarabiya.net/save-print.php print=1&cout-id=45872.
(28) جريدة الوطن الكويتية ,خالد الغنام , 2691 ,11شباط 2008 .
(29) Http://www. moheet .com/news print .aspx ? nid =88279
(30) http://news vote.bbc .com. u/mpapps /page tools /page tool